بغداد وواشنطن: الاقتصاد بديل للتعاون العسكري

العراق يفتح أبواب المصارف والاستثمارات الأميركية ويراهن على إصلاح مالي يربطه بصورة أوسع بالنظام الاقتصادي العالمي
الجمعة 2026/09/25
ترسيخ العلاقات العراقية الأميركية عبر تعاون اقتصادي

نيويورك - مع اقتراب انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، تتجه بغداد إلى إعادة تعريف علاقتها مع واشنطن، من شراكة ارتبطت خلال السنوات الماضية بمكافحة تنظيم داعش والتعاون العسكري، إلى علاقة تضع الاقتصاد والاستثمار والطاقة والقطاع المصرفي في الواجهة. ويبدو أن الحكومة العراقية تريد أن يكون انسحاب قوات التحالف من البلاد في 30 سبتمبر بداية لمسار جديد، لا نهاية للعلاقة مع الولايات المتحدة.

وفي أحدث خطوة على هذا الطريق، وقعت بغداد وواشنطن اتفاقاً لتسليم مركز الدعم الدبلوماسي التابع للسفارة الأميركية في مطار بغداد الدولي إلى الحكومة العراقية، في إطار الاستعدادات لاستكمال انسحاب قوات التحالف. ويأتي ذلك بعد اتفاق 2024 الذي حدد مسار إنهاء مهمة التحالف ضد داعش في العراق.

لكن بالتوازي مع تقليص البنية العسكرية، تتحرك بغداد باتجاه توسيع الجانب الاقتصادي من العلاقة. فقد بحث رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيويورك هذا الأسبوع تعزيز الشراكة الاستراتيجية وتوسيع التعاون الاقتصادي، فيما أكد الزيدي أن حكومته تعمل على ترسيخ العلاقات العراقية الأميركية عبر تعاون اقتصادي يوسع مجالات العمل المشترك والمصالح المتبادلة.

وفي نيويورك أيضاً، عقدت الممثلية العراقية لدى الأمم المتحدة طاولة مستديرة جمعت مصارف ومؤسسات مالية أميركية وعراقية ومسؤولين وخبراء اقتصاديين. وقال الزيدي إن العراق يدخل «مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي والإصلاح المالي والمصرفي»، داعياً المؤسسات المالية الأميركية إلى المشاركة في بناء مستقبل اقتصادي جديد للعراق.

وقال الزيدي إن العراق ينتج حالياً نحو 4.5 ملايين برميل من النفط يومياً، بينما تتجه سياسة الحكومة إلى رفع الإنتاج إلى 10 ملايين برميل يومياً، ضمن رؤية تستهدف تعظيم الموارد وتوظيفها في التنمية وتنويع الاقتصاد.

كما اعتبر أن محدودية انفتاح النظام المصرفي العراقي على النظام المالي الدولي، ولاسيما المصارف الأميركية، كانت أحد أسباب ضعفه، داعياً المصارف الأميركية إلى دخول السوق العراقية والمشاركة في تمويل المشاريع والاستثمارات وربط الاقتصاد العراقي بصورة أكثر فاعلية بالنظام المالي العالمي. وأضاف أن الحكومة بدأت خطة لإصلاح المصارف الحكومية، تركز على الكفاءة والحوكمة والامتثال والشفافية.

وتكشف تصريحات الزيدي عن طبيعة الرهان العراقي في المرحلة المقبلة. فبغداد لا تتحدث فقط عن استقطاب شركات أميركية لتنفيذ مشاريع محددة، وإنما عن محاولة إعادة بناء البيئة المالية التي تسمح للاقتصاد العراقي بالتعامل بصورة أوسع مع المؤسسات والأسواق الدولية.

تحتاج الشراكة الاقتصادية إلى بيئة استثمارية مستقرة، ونظام مصرفي قابل للتعامل مع المؤسسات الدولية، وقواعد واضحة للاستثمار، وقدرة حكومية على حماية العقود وتنفيذ المشاريع

وهنا يحتل القطاع المصرفي موقعاً خاصاً. فإصلاح المصارف العراقية وربطها بالنظام المالي العالمي يمكن أن يسهل تمويل المشاريع والاستثمارات، ويعزز قدرة الشركات العراقية على إجراء المعاملات الدولية، كما يمكن أن يفتح مجالاً أمام المصارف الأجنبية لتوسيع حضورها في السوق المحلية. لكن نجاح هذا المسار يرتبط أيضاً بقدرة بغداد على تنفيذ إصلاحات الحوكمة والامتثال ومكافحة غسل الأموال وتعزيز الثقة بالقطاع المالي.

ولا تنفصل هذه الخطوة عن ملف الطاقة، الذي يبقى أكثر المجالات أهمية في الاقتصاد العراقي. فالزيدي يرفع سقف الطموح إلى إنتاج عشرة ملايين برميل يومياً، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى توظيف الإيرادات النفطية في التنمية وتنويع الاقتصاد. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد لا تقوم على تقليص أهمية النفط بقدر ما تقوم على استخدامه كرافعة لتمويل قطاعات أخرى.

غير أن المعادلة تحمل تحدياً واضحاً: العراق يريد تنويع اقتصاده، لكنه في الوقت نفسه يراهن على زيادة إنتاجه النفطي. ولذلك فإن التحول الاقتصادي الذي تتحدث عنه بغداد سيقاس بقدرتها على تحويل جزء من عائدات الطاقة إلى بنية تحتية وصناعة وخدمات وتكنولوجيا وفرص استثمار، بدلاً من استمرار الاقتصاد في الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل.

وتأتي هذه الرؤية في وقت تتحرك فيه بغداد لتوسيع علاقاتها الاقتصادية خارج الإطار الأميركي أيضاً. فالعراق يعمل على تطوير علاقاته التجارية والاستثمارية مع تركيا وأوروبا ودول الخليج، فيما يشكل مشروع «طريق التنمية» أحد أبرز رهاناته على تحويل موقعه الجغرافي إلى مصدر للنمو من خلال ربط الخليج بتركيا والأسواق الأوروبية. وفي هذا السياق، فإن الشراكة مع واشنطن يمكن أن تكون جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية التي تسعى بغداد إلى بنائها.

أما أمنياً، فإن انتهاء مهمة التحالف لا يعني بالضرورة اختفاء التعاون الأمني العراقي الأميركي. فالولايات المتحدة أكدت استمرار التعاون الثنائي في مجالات مثل مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات، حتى مع انتهاء مهمة التحالف بصيغتها الحالية. وهذا يتيح لبغداد وواشنطن الحفاظ على قنوات أمنية من دون بقاء العلاقة محكومة بالوجود العسكري للتحالف. (aa.com.tr)

لكن التحول الاقتصادي يضع بغداد أمام اختبار مختلف عن الاختبار العسكري. فوجود القوات الأميركية كان يستند إلى هدف أمني واضح هو مكافحة داعش، بينما تحتاج الشراكة الاقتصادية إلى بيئة استثمارية مستقرة، ونظام مصرفي قابل للتعامل مع المؤسسات الدولية، وقواعد واضحة للاستثمار، وقدرة حكومية على حماية العقود وتنفيذ المشاريع.

ويضاف إلى ذلك ملف السلاح وحصره بيد الدولة، الذي أصبح جزءاً من الحوار العراقي الأميركي. فقد أكد الزيدي خلال لقائه روبيو التزام حكومته باستكمال الاستحقاقات السيادية والمضي في إجراءات حصر السلاح بيد الدولة، فيما أعلنت واشنطن دعمها لجهود بغداد في تعزيز الاستقرار وبناء المؤسسات والتنمية الاقتصادية. (aa.com.tr)

وبذلك تبدو العلاقة العراقية الأميركية أمام انتقال في مركز الثقل. فبعد سنوات كان عنوانها الأبرز هو الحرب على داعش والوجود العسكري، تحاول بغداد أن تجعل الاستثمار والطاقة والمصارف والتنمية عناوين المرحلة التالية. لكن نجاح هذا الانتقال لن يتحدد بالتصريحات وحدها، وإنما بقدرة الطرفين على تحويل الفرص المطروحة إلى مشاريع وتمويل وشراكات طويلة الأمد.

ومع اقتراب موعد خروج قوات التحالف، يصبح السؤال بالنسبة إلى بغداد ليس فقط كيف تنهي مرحلة التعاون العسكري، وإنما كيف تجعل العلاقة التي ستبقى بعدها أكثر ارتباطاً بالتنمية والاقتصاد من الوجود العسكري. وهذا هو الاختبار الذي ستواجهه الشراكة العراقية الأميركية في مرحلتها المقبلة.