بغداد تحاور واشنطن لإنقاذ مطاراتها من عقوبات الطيران الإيراني
بغداد - في خضم العواصف الجيوسياسية المتلاحقة التي تضرب منطقة الشرق الأوسط، تجد الحكومة العراقية نفسها أمام تحد استراتيجي جديد فرضته الإجراءات الأميركية الصارمة ضد قطاع الطيران الإيراني.
ومع دخول العقوبات الواسعة حيز التنفيذ واستهدفها لشبكة النقل الجوي الإقليمي، تبادر بغداد إلى انتهاج دبلوماسية مرنة قائمة على الحوار المباشر مع واشنطن، مستهدفة استثناء بعض المطارات الحيوية على أراضيها.
لا يعكس هذا التحرك مجرد مساع تقنية لتسيير الرحلات، بل يترجم حرص الدولة العراقية على حماية المصالح الإنسانية والمدنية لمواطنيها والمسافرين، والموازنة بدقة بين الالتزامات الدولية والضرورات المعيشية الملحة التي تربط العراق بمحيطه الإقليمي.
وفي سياق ترجمة هذه الجهود الدبلوماسية، أعلنت الحكومة العراقية، اليوم السبت، عن إجراء حوار مباشر مع الجانب الأميركي لاستثناء بعض المطارات العراقية من الإجراءات التي اتخذتها وزارة الخزانة الأميركية بشأن رحلات شركات الطيران الإيرانية إلى مطارات دول المنطقة.
وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء في بيان، صباح السبت "نظرًا للإجراءات التي اتخذتها وزارة الخزانة الأميركية بشأن رحلات شركات الطيران الإيرانية إلى مطارات دول المنطقة، بما فيها مطارات العراق، فإن الحكومة العراقية تجري حوارا مباشرا مع الجانب الأميركي لاستثناء بعض المطارات العراقية من هذه الاجراءات، بما يسمح باستئناف الرحلات الجوية، لدواع إنسانية، تتعلق بالعلاج والدراسة والزيارات الدينية ومصالح المدنيين".
سعي العراق لاستثناء مطاراته من الحظر الأميركي المفروض على الطيران الإيراني يجسد براغماتية سياسية حليفة لتخفيف التداعيات الإنسانية والمعيشية
وأشار إلى أن "الحكومة العراقية تعمل على تهدئة الأوضاع في المنطقة، وتؤكد أن استمرار الأزمات يزيد المشهد تعقيدا، وتدعو جميع الأطراف إلى الحوار والتفاوض وصولا إلى حلول تنهي الأزمة والصراعات الراهنة، وبما يحقق مصالح دول وشعوب المنطقة".
تأتي هذه التحولات على وقع قرارات واشنطن الحاسمة، حيث قالت الإدارة الأميركية إنها ستفرض عقوبات على أي شركات عالمية تتعامل مع شركات الطيران الإيرانية بعد 23 سبتمبر، بهدف إيقاف أسطول الطيران المدني الإيراني بالكامل في جميع أنحاء العالم.
وتضم إيران ما مجموعه 27 شركة طيران، إلا أن معظمها يقتصر على تسيير رحلات داخلية. وتتولى الشركتان الرئيسيتان، وهما شركة "إيران إير" الوطنية وشركة "ماهان إير" الخاصة، تسيير معظم الرحلات الخارجية في الظروف العادية، وتكون وجهاتها في الغالب دولا مجاورة، بالإضافة إلى روسيا والصين.
وفي ذات السياق، توعد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الاثنين الماضي، بأن تتوقف شركات الطيران الإيرانية عن العمل تحت طائلة معاقبة أي جهة تتعامل معها، محذرا الدول الأخرى بالقول "إن هبطت هذه الطائرات فلن يكون بإمكان أحد تزويدها بالوقود أو تقديم خدمات الهبوط إليها أو بيع تذاكرها، وإلا فسيُستبعد من نظام الدولار". ومن شأن هذه القيود أن تزيد صعوبة سفر الإيرانيين إلى الخارج أو عودتهم إلى بلادهم.
يجسد سعي العراق لاستثناء مطاراته من الحظر الأميركي المفروض على الطيران الإيراني براغماتية سياسية حليفة لتخفيف التداعيات الإنسانية والمعيشية، محاولا حماية مجاله الحيوي من شظايا الضغط الاقتصادي الأقصى دون الإخلال بمتطلبات الاستقرار الإقليمي.
تبرز التحركات العراقية الأخيرة كدليل واضح على رغبة بغداد في لعب دور الجسر الآمن وسط صراعات الكبار. كما أن ربط المطالب العراقية بدواع إنسانية بحتة مثل العلاج والدراسة والزيارات الدينية يمنح الموقف الحكومي مشروعية واسعة تفاوضيا، ويقي الاقتصاد والقطاع الخدمي المحلي من تبعات جانبية مدمرة لعقوبات تستهدف شبكة الطيران الإيرانية بالكامل.
ومع تلويح واشنطن بعقوبات قاسية تصل إلى الإبعاد عن نظام الدولار لأي جهة تقدم خدمات إتقان هبوط أو تمويل، فإن نجاح الدبلوماسية العراقية في انتزاع استثناءات محدودة سيمثل اختبارا حقيقيا لقدرة بغداد على حماية مصالحها المدنية في بيئة إقليمية بالغة التعقيد.