بغداد أمام اختبار السيادة: الفصائل تهدد السعودية
بغداد – عاد العراق إلى واجهة التوتر الإقليمي، بعدما تحدثت مصادر إعلامية، السبت، عن ورود معلومات استخباراتية بشأن مخطط لفصائل عراقية موالية لإيران لاستهداف السعودية خلال الساعات المقبلة. وبينما لم تصدر حتى الآن تفاصيل رسمية عراقية تكشف طبيعة هذه المعلومات أو الجهات المتورطة فيها، فإن مجرد تداولها يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر المعضلات تعقيداً التي تواجه بغداد: كيف تمنع أراضيها من التحول إلى منصة لتصفية الحسابات الإقليمية؟
وتأتي هذه التطورات في لحظة شديدة الحساسية، إذ يعيش الشرق الأوسط على وقع تصعيد متواصل بين إيران وخصومها، فيما يبقى العراق واحداً من أكثر الساحات قابلية للتأثر بهذه المواجهة، بسبب حضور الفصائل المسلحة وتداخل علاقاتها السياسية والعسكرية مع موازين القوى الإقليمية.
وكانت مصادر قد تحدثت عن معلومات تشير إلى نية فصائل عراقية موالية لإيران تنفيذ هجمات ضد أهداف داخل السعودية. وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة في ضوء ما سبق أن أعلنته الرياض خلال الأسابيع الماضية عن اعتراض طائرات مسيرة قالت إن بعضها انطلق من الأراضي العراقية واستهدف منشآت ومصالح حيوية داخل المملكة.
لا تكمن خطورة التطور الجديد في احتمال وقوع هجوم فحسب، بل في التداعيات السياسية والأمنية التي قد تترتب عليه. فأي عملية تنطلق من الأراضي العراقية ضد السعودية ستضع الحكومة في بغداد أمام اختبار بالغ الصعوبة، وقد تعيد طرح السؤال حول قدرتها الفعلية على فرض احتكار الدولة للسلاح والقرار العسكري.
ويحاول العراق منذ سنوات السير على خيط دقيق بين علاقاته الوثيقة مع إيران من جهة، وسعيه إلى تطوير شراكاته مع السعودية ودول الخليج والولايات المتحدة من جهة أخرى. إلا أن نشاط الفصائل المسلحة كثيراً ما يهدد هذا التوازن، ويجعل السياسة الخارجية العراقية رهينة تطورات أمنية لا تتحكم فيها الحكومة بصورة كاملة.
وفي هذا السياق، كان رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قد أكد في وقت سابق أن بلاده لن تسمح باستخدام أراضيها منطلقاً لشن هجمات ضد دول أخرى، في رسالة تعكس إدراك بغداد لحجم المخاطر التي يمثلها انتقال الصراع الإقليمي إلى داخل حدودها.
يبدو أن الملف دخل خلال الأسابيع الأخيرة مرحلة جديدة. فبعد ضربات استهدفت مجموعات مسلحة داخل العراق أواخر يوليو/تموز، تصاعد الحديث عن ضغوط متزايدة لنزع سلاح الفصائل أو وضعه بصورة كاملة تحت سلطة الدولة.
لكن هذا المسار يصطدم بتعقيدات سياسية وعسكرية كبيرة، إذ لا يتعلق الأمر بمجموعات هامشية يمكن تفكيكها بقرار إداري، بل بقوى تمتلك نفوذاً سياسياً وشعبياً وعسكرياً، وترتبط أجزاء منها بشبكات إقليمية واسعة.
كل تصعيد جديد يضعف خطاب الدولة ويعزز الانطباع بأن هناك قوى مسلحة قادرة على اتخاذ قرارات تتجاوز المؤسسات الرسمية
ومن هنا، فإن أي تحرك جديد للفصائل باتجاه السعودية قد يدفع الحكومة العراقية إلى خيارات أكثر صعوبة. فالتساهل قد يعني مزيداً من الضغوط الخارجية، بينما قد يؤدي الصدام المباشر معها إلى فتح أزمة داخلية لا ترغب بغداد في خوضها في هذه المرحلة.
شهدت العلاقات العراقية السعودية خلال السنوات الماضية محاولات متواصلة لتجاوز إرث التوتر وفتح صفحة جديدة عنوانها التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني. ولذلك فإن عودة الأراضي العراقية لتكون مصدراً لتهديد أمني ضد المملكة قد تمثل انتكاسة لهذه الجهود.
كما أن الأمر لا يتعلق بالعلاقة الثنائية وحدها، بل بصورة العراق في محيطه العربي. فبغداد تراهن على موقعها الجغرافي والسياسي لتقديم نفسها جسراً للتواصل بين القوى المتنافسة، وليس ساحة مفتوحة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة.
وتزداد حساسية الموقف لأن أي استهداف جديد قد لا يبقى محصوراً في إطار الرد الأمني التقليدي، بل يمكن أن يفتح الباب أمام ردود أوسع على مصادر التهديد، الأمر الذي قد يجر العراق مرة أخرى إلى دائرة المواجهة المباشرة.
المعضلة الأساسية التي تواجه بغداد اليوم هي أن الوقت لم يعد يعمل لمصلحتها. فكل تصعيد جديد يضعف خطاب الدولة ويعزز الانطباع بأن هناك قوى مسلحة قادرة على اتخاذ قرارات تتجاوز المؤسسات الرسمية.
لذلك، فإن التطورات الأخيرة قد تشكل لحظة فاصلة للحكومة العراقية. فإما أن تنجح في تحويل تعهداتها بشأن حصر السلاح بيد الدولة إلى إجراءات عملية، وإما أن تجد نفسها أمام موجة جديدة من التصعيد الإقليمي تتحول فيها الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة.
وفي المحصلة، فإن الخطر لا يقتصر على احتمال استهداف السعودية، بل يتجاوز ذلك إلى مستقبل الدولة العراقية نفسها. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل ستنفذ الفصائل هجوماً جديداً؟ بل هل تستطيع بغداد، قبل فوات الأوان، أن تستعيد القرار الأمني كاملاً وتمنع الآخرين من تقرير متى يدخل العراق الحرب ومتى يخرج منها؟
وفي النهاية، قد تحدد المرحلة المقبلة ما إذا كان العراق قادراً على البقاء خارج حرائق المنطقة، أم أنه سيجد نفسه مرة أخرى في قلب صراع لم يختر توقيته ولا حدوده.