بريطانيا تعاقب المستوطنات: هل تغيّر حسابات إسرائيل؟

لندن تحرص على تقديم إجراءاتها باعتبارها استهدافًا للنشاط الاستيطاني، وليس مقاطعة شاملة لإسرائيل
الثلاثاء 2026/09/08
استمرار التوسع ستكون له كلفة

لندن - تتجه بريطانيا إلى رفع كلفة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، في خطوة تعكس تحولًا تدريجيًا في موقف واحدة من أبرز الدول الغربية التي حافظت تاريخيًا على علاقات وثيقة مع إسرائيل. فقد أعلنت لندن، بالتنسيق مع فرنسا وكندا ودول أخرى، إجراءات تشمل حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى جانب قيود على بعض الخدمات والأنشطة المرتبطة بتوسيع المستوطنات.

وتأتي الخطوة في وقت يتسع فيه القلق الغربي من سرعة التوسع الاستيطاني والعنف الذي يمارسه مستوطنون ضد الفلسطينيين، وفي ظل مخاوف من أن تؤدي المشاريع الجديدة، ولا سيما في منطقة E1، إلى تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه يتجاوز القرار البريطاني نفسه: هل تستطيع هذه الإجراءات تغيير حسابات الحكومة الإسرائيلية، أم أنها ستبقى في حدود الرسالة السياسية؟

تحرص لندن على تقديم إجراءاتها باعتبارها استهدافًا للنشاط الاستيطاني، وليس مقاطعة شاملة لإسرائيل.

وهذا التفريق مهم سياسيًا؛ فبريطانيا لا تقطع علاقاتها التجارية مع إسرائيل، وإنما تستهدف المنتجات والأنشطة المرتبطة بالمستوطنات التي تعتبرها مخالفة للقانون الدولي، في محاولة للفصل بين دعم العلاقات مع إسرائيل كدولة وبين الاعتراض على سياسات حكومتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وتشمل الإجراءات البريطانية، إلى جانب حظر بعض الواردات، قيودًا على شركات وأفراد يقدمون خدمات مرتبطة بالبناء والتمويل والتسويق العقاري في المستوطنات. كما أعلنت لندن إجراءات ضد أفراد متهمين بالعنف الاستيطاني.

لكن حجم التجارة المباشرة مع المستوطنات يظل محدودًا، وهو ما يعني أن التأثير الاقتصادي الفوري على إسرائيل سيكون صغيرًا نسبيًا. لذلك تبدو القيمة السياسية للقرار أكبر من قيمته التجارية.

تستهدف الخطوة البريطانية في جانب منها سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية أكثر مما تستهدف الاقتصاد الإسرائيلي بصورة عامة.

فالحكومة التي يقودها بنيامين نتنياهو تضم قوى سياسية تعتبر الاستيطان جزءًا أساسيًا من رؤيتها لمستقبل الضفة الغربية، فيما يواصل المستوطنون توسيع حضورهم في مناطق مختلفة من الأراضي الفلسطينية.

ومن وجهة النظر البريطانية، فإن استمرار هذا المسار يجعل الحديث عن حل الدولتين أكثر صعوبة. ولهذا ربط وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند الإجراءات الجديدة بالدفاع عن إمكانية قيام دولة فلسطينية، معتبرًا أن التوسع الاستيطاني يهدد هذه الإمكانية.

تستهدف الخطوة البريطانية في جانب منها سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية أكثر مما تستهدف الاقتصاد الإسرائيلي بصورة عامة

وتحاول لندن بذلك الانتقال من سياسة الاكتفاء بإدانة الاستيطان إلى سياسة تقول إن استمرار التوسع ستكون له كلفة، حتى وإن كانت هذه الكلفة محدودة في البداية.

لماذا الآن؟

لا تأتي الخطوة البريطانية في فراغ. فقد سبقتها خلال الفترة الأخيرة زيادة في الضغوط الغربية على إسرائيل، مع تحرك دول أوروبية وكندا بصورة منفردة بدل انتظار توافق أوروبي شامل.

وأعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا حظرًا على واردات منتجات المستوطنات، فيما انضمت دول أخرى إلى موقف سياسي يدعو إلى مواجهة التوسع الاستيطاني والحفاظ على خيار الدولتين. ويعكس ذلك اتساع الفجوة بين عدد من الحكومات الغربية وسياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية.

لكن هذه الجبهة الغربية لا تزال تواجه عقبات، أبرزها غياب موقف أميركي مماثل. فقد حذرت واشنطن من تداعيات الخطوة البريطانية، فيما وصف السفير الأميركي في إسرائيل الإجراءات بأنها قد تترتب عليها عواقب بالنسبة إلى بريطانيا.

وهنا يصبح تأثير القرار مرتبطًا بقدرته على التحول من إجراء بريطاني منفرد إلى اتجاه دولي أوسع.

لم تنتظر إسرائيل طويلًا للرد على الإجراءات البريطانية. فقد أعلنت خطوات دبلوماسية ضد لندن، بينها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية وفرض قيود على عدد من المسؤولين البريطانيين، في مؤشر على أن إسرائيل تنظر إلى الإجراءات باعتبارها أكثر من مجرد تدبير تجاري محدود.

ويكشف الرد الإسرائيلي عن حساسية متزايدة تجاه أي محاولة لربط العلاقات مع إسرائيل مباشرة بسياسة الاستيطان.

لكن المواجهة لا تعني بالضرورة أن بريطانيا تتجه إلى قطع العلاقات مع إسرائيل. على العكس، تبدو لندن حريصة على الإبقاء على مساحة للعلاقات الثنائية، مع رفع كلفة بعض السياسات التي تعتبرها عائقًا أمام التسوية.

في النهاية، يصعب توقع أن توقف الإجراءات البريطانية وحدها التوسع الاستيطاني. فالأثر الاقتصادي المباشر محدود، والحكومة الإسرائيلية لا تبدو مستعدة لتغيير جوهري في سياستها تحت ضغط دولة أوروبية واحدة.

لكن أهمية الخطوة قد تظهر في مكان آخر: هل تتحول العقوبات البريطانية إلى نموذج تتبناه دول أخرى؟

إذا بقيت الإجراءات منفردة، فقد يكون تأثيرها رمزيًا بالدرجة الأولى. أما إذا توسعت لتشمل مزيدًا من الدول والشركات والقطاع المالي، فقد تبدأ في إنتاج كلفة أكثر وضوحًا على المشروع الاستيطاني.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت بريطانيا قادرة وحدها على تغيير حسابات إسرائيل، وإنما ما إذا كانت قادرة على المساهمة في تغيير البيئة الدولية التي تعمل فيها الحكومة الإسرائيلية.

فمنع بضائع المستوطنات من دخول السوق البريطانية لن يوقف الاستيطان غدًا، لكنه يحمل رسالة مختلفة عن بيانات الإدانة التقليدية: الاستيطان لم يعد مجرد قضية خلاف سياسي، بل أصبح سياسة يمكن أن تترتب عليها كلفة دولية.