بريطانيا تدعم السعودية جوا في مواجهة الحوثيين
لندن – تنتقل بريطانيا خطوة جديدة في دعم السعودية بمواجهة التصعيد الحوثي، لكن عبر مسار عسكري محدود ومدروس يركز على الجانب الدفاعي، إذ وافقت حكومة رئيس الوزراء آندي بورنهام على طلب سعودي لتوفير التزود بالوقود جوا للمقاتلات السعودية، في تحرك تقول لندن إنه يستهدف حماية الاستقرار الإقليمي وضمان استمرار طرق الطاقة والملاحة.
وأعلن بورنهام الاثنين أن بريطانيا ستوفر دعما عسكريا محدودا للسعودية، موضحا أن سلاح الجو الملكي سيستخدم طائرة واحدة من طراز “فوييجر” لتزويد الطائرات السعودية بالوقود جوا خلال مهام دفاعية، على أن يبدأ التنفيذ خلال الأيام المقبلة ويستمر في مرحلة أولى لأسابيع، مع إبقاء الاتفاق قيد المراجعة. وجاء القرار استجابة لطلب رسمي من الرياض بعد تصاعد الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ولا يعني القرار، وفق المعطيات المعلنة، انخراطا بريطانيا مباشرا في العمليات الهجومية داخل اليمن، بل يقتصر على مهمة مساندة تسمح للطائرات السعودية بالبقاء في الجو لفترة أطول وتنفيذ مهام دفاعية ضد الصواريخ والمسيّرات. وتضع لندن بذلك حدودا واضحة لتدخلها، في وقت تسعى فيه الرياض إلى تعزيز قدراتها على مواجهة هجمات متزايدة تستهدف أراضيها ومنشآتها ومسارات الشحن المرتبطة بها.
ويأتي التحرك البريطاني في سياق تصعيد أوسع أعاد الجبهة اليمنية إلى واجهة التوتر الإقليمي. فقد كثف الحوثيون خلال الأسابيع الأخيرة هجماتهم على السعودية، بما في ذلك هجمات بالصواريخ والمسيّرات، فيما أعلنوا استهداف سفن مرتبطة بالسعودية وهددوا حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. وقالت مصادر أميركية إن الرياض طلبت من عدد من حلفائها، بينهم بريطانيا وفرنسا وباكستان ومصر، تقديم دعم في مجال الدفاع الجوي لمواجهة الصواريخ والمسيّرات.
وتكتسب الاستجابة البريطانية أهمية إضافية بسبب موقع باب المندب في معادلة التصعيد. فقد تمكن الحوثيون في وقت سابق من هذا الشهر من السيطرة على مدينة المخا ومواقع وجزر استراتيجية في البحر الأحمر، بما يمنحهم قدرة أكبر على مراقبة واحد من أهم الممرات البحرية المؤدية إلى البحر الأحمر وقناة السويس. وتقدر تقارير أميركية أن نحو 12 بالمئة من التجارة العالمية تمر عادة عبر باب المندب، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد فيه قضية تتجاوز الصراع اليمني إلى أمن التجارة والطاقة.
القرار يقتصر على مهمة مساندة تسمح للطائرات السعودية بالبقاء في الجو لفترة أطول وتنفيذ مهام دفاعية ضد الصواريخ والمسيّرات
ومن هذه الزاوية، لا تبدو الخطوة البريطانية مرتبطة بالدفاع عن السعودية وحدها، بل بمصالح أوسع تتعلق باستقرار طرق الطاقة. فقد ربط بورنهام قراره بما وصفه بحماية مصالح بريطانيا والمنطقة والحاجة إلى إبقاء “المسارات” مفتوحة، في إشارة إلى طرق النفط والتجارة.
وكانت بريطانيا قد نشرت في وقت سابق من العام منظومة الدفاع الجوي “سكاي سابر” في السعودية للمساعدة في مواجهة تهديدات الصواريخ الإيرانية، ما يوضح أن التعاون الدفاعي بين البلدين سبق التصعيد الحوثي الأخير.
وتحمل عودة الدعم العسكري البريطاني إلى المشهد السعودي دلالة مختلفة عن التدخلات الغربية السابقة في اليمن. ففي يناير 2024 شاركت بريطانيا الولايات المتحدة في ضربات جوية ضد أهداف حوثية داخل اليمن، في أعقاب هجمات الجماعة على سفن في البحر الأحمر. أما الدعم الحالي فيأتي بصيغة أكثر تحديدا، تركز على تمكين الطيران السعودي من أداء مهام دفاعية، من دون إعلان لندن مشاركتها في عمليات هجومية ضد الحوثيين.
ويكشف ذلك عن محاولة بريطانية للموازنة بين دعم حليف استراتيجي وبين تجنب التورط المباشر في جولة جديدة من الحرب اليمنية، خصوصا أن الصراع يتقاطع هذه المرة مع أزمة إقليمية أوسع تشمل إيران وتهديدات الملاحة في كل من البحر الأحمر ومضيق هرمز.
كما أن توقيت الخطوة مهم بالنسبة إلى السعودية، التي تواجه ضغوطا متزامنة على منظومات دفاعها الجوي وعلى منشآتها النفطية ومسارات تصدير الطاقة. وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن الرياض طلبت دعما خارجيا في ظل استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة نفسها ضغوطا على مخزوناتها بسبب الحرب الطويلة مع إيران.
لكن الدعم البريطاني يظل محدودا زمنيا ووظيفيا. فإرسال طائرة “فوييجر” واحدة للتزود بالوقود لا يغير بمفرده ميزان القوة في الحرب، لكنه يوفر للسعودية قدرة إضافية في مجال الدفاع الجوي، ويحمل في الوقت نفسه رسالة سياسية بأن لندن تنظر إلى أمن المملكة وطرق الطاقة والملاحة باعتبارها جزءا من مصالحها المباشرة.
وبذلك يصبح باب المندب، إلى جانب كونه ساحة في الحرب اليمنية، نقطة اختبار لتوازن غربي جديد: دعم دفاعي محدود للسعودية، مع محاولة إبقاء التصعيد تحت سقف لا يحول المساندة العسكرية إلى انخراط مباشر في الحرب.