انتخاب رئيس العراق يطوي صفحة خلافات ويفتح أخرى
بغداد- يمثّل انتخاب رئيس الجمهورية في العراق خطوة دستورية بارزة أنهت حالة فراغ سياسي استمرت لأشهر، إلا أنها في الوقت ذاته لم تُنهِ الأزمة السياسية القائمة، بل أعادت ترتيب أولويات المشهد السياسي، وفتحت الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً تتمحور حول الصراع على تشكيل الحكومة ورئاسة الوزراء، في ظل استمرار الانقسام بين القوى السياسية الكبرى.
وبعد نحو خمسة أشهر من التعثر السياسي الذي أعقب انتخابات نوفمبر 2025، تمكن مجلس النواب العراقي السبت من إنجاز ثاني الاستحقاقات الدستورية عبر انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
وجاءت هذه الخطوة في جلسة برلمانية اتسمت بالتوتر والمقاطعة من عدد من الكتل السياسية البارزة، ما عكس عمق الخلافات وعدم اكتمال التوافق الوطني المطلوب لإدارة المرحلة المقبلة.
وقد أظهرت نتائج التصويت حسم المنصب لصالح مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني نزار آميدي، الذي حصل على أغلبية مريحة في الجولة الثانية، بعد أن فشل في حسم الفوز من الجولة الأولى.
ورغم الطابع الدستوري والإجرائي لهذا الاستحقاق، فإن السياق السياسي الذي رافقه كشف أن انتخاب الرئيس لم يكن مجرد عملية تصويت، بل محطة ضمن صراع أوسع على شكل الدولة واتجاهاتها السياسية خلال المرحلة المقبلة.
ورغم أن انتخاب رئيس الجمهورية يُعد خطوة أساسية في النظام السياسي العراقي، إلا أنه لا يمثل نهاية للأزمة، بل بداية لمرحلة جديدة أكثر حساسية، ترتبط مباشرة بتشكيل الحكومة الاتحادية واختيار رئيس الوزراء.
وبحسب الدستور العراقي، يقوم رئيس الجمهورية المنتخب بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكبر عدداً لتشكيل الحكومة خلال مدة زمنية محددة، ما يجعل موقع رئاسة الوزراء محور التنافس السياسي الحقيقي.
ويأتي هذا التطور في ظل تباين واضح بين القوى السياسية حول تفسير مفهوم “الكتلة الأكبر”، وهو الخلاف الذي يتكرر بعد كل انتخابات برلمانية تقريباً، ويشكل أحد أبرز أسباب تأخر تشكيل الحكومات في العراق. إذ تسعى كل كتلة رئيسية إلى تعزيز موقعها التفاوضي لضمان حصة أكبر في الحكومة المقبلة، سواء من حيث رئاسة الوزراء أو توزيع الحقائب الوزارية السيادية.
وقد انعكس هذا الانقسام بشكل مباشر على جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، حيث قاطعت عدد من الكتل السياسية البارزة، من بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني وائتلاف دولة القانون وكتل أخرى، جلسة التصويت، في مؤشر واضح على غياب التوافق الشامل.
كما برز الخلاف الكردي-الكردي بين الحزبين الرئيسيين، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، كعامل مؤثر في تعقيد المشهد السياسي، خصوصاً فيما يتعلق بالاتفاق على مرشح واحد للمنصب الرئاسي.
انتخاب رئيس الجمهورية، رغم أهميته الدستورية، لا يُنظر إليه كإنجاز نهائي بقدر ما هو محطة انتقالية نحو معركة سياسية أكثر حساسية، تتمثل في تشكيل الحكومة المقبلة
ويُعد منصب رئيس الجمهورية في العراق منصباً توافقياً تقليدياً يُمنح للمكوّن الكردي وفق عرف سياسي استقر بعد عام 2003، إلا أن هذا التفاهم غير المكتوب بات يواجه تحديات متزايدة في السنوات الأخيرة، مع تصاعد التنافس داخل البيت الكردي نفسه، ما أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى معادلة التوافقات السياسية في بغداد.
وفي المقابل، فإن المرحلة المقبلة تتركز بشكل أساسي على مفاوضات تشكيل الحكومة، والتي تُعد عادة أكثر صعوبة وتعقيداً من انتخاب رئيس الجمهورية. فبينما يتم حسم المنصب الرئاسي عبر توافقات أوسع نسبياً، فإن رئاسة الوزراء تخضع لتوازنات دقيقة بين الكتل الشيعية والسنية والكردية، إضافة إلى تأثيرات إقليمية ودولية متزايدة.
وتشير المعطيات السياسية إلى أن القوى الشيعية، ممثلة بالإطار التنسيقي، تمتلك الكتلة الأكبر من حيث العدد، إلا أنها لا تزال منقسمة داخلياً بشأن اختيار مرشح موحد لرئاسة الوزراء، في ظل تباين في المصالح والرؤى بين مكوناتها.
وقد برزت في هذا السياق أسماء عدة، من بينها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، إلا أن ترشيحه واجه تحفظات داخلية وخارجية، ما يعكس حجم التعقيد المحيط بالمنصب التنفيذي الأعلى في البلاد.
كما أن التدخلات الإقليمية والدولية تشكل عاملاً إضافياً في تعقيد عملية التشكيل، حيث تسعى قوى خارجية مؤثرة إلى دعم خيارات سياسية تتماشى مع مصالحها الاستراتيجية في العراق والمنطقة. وهو ما يجعل عملية اختيار رئيس الوزراء ليست مجرد شأن داخلي، بل جزءاً من توازنات إقليمية أوسع.
وفي الوقت ذاته، يترقب الشارع العراقي نتائج هذه التطورات السياسية بقلق، في ظل استمرار التحديات الاقتصادية والخدمية، وارتفاع سقف التوقعات الشعبية تجاه الحكومة المقبلة. إذ يطالب المواطنون بتحسين الخدمات الأساسية، ومعالجة أزمة البطالة، وتوفير بيئة سياسية مستقرة قادرة على إدارة الدولة بفعالية.
ومن هذا المنطلق، فإن انتخاب رئيس الجمهورية، رغم أهميته الدستورية، لا يُنظر إليه كإنجاز نهائي بقدر ما هو محطة انتقالية نحو معركة سياسية أكثر حساسية، تتمثل في تشكيل الحكومة المقبلة. فهذه المرحلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة القوى السياسية على تجاوز خلافاتها، أو استمرارها في إنتاج أزمات سياسية متكررة تؤخر استقرار الدولة.
كما أن السيناريوهات المستقبلية تبقى مفتوحة على عدة احتمالات، تبدأ من إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية سريعة تفضي إلى تشكيل حكومة توافقية، ولا تنتهي عند احتمال استمرار الجمود السياسي لفترة أطول في حال تعثر التفاهمات بين الكتل الكبرى.
وفي كل الأحوال، فإن المسار السياسي في العراق يدخل مرحلة دقيقة تتطلب قدراً عالياً من التوازن والتنازلات المتبادلة لتفادي الانزلاق نحو مزيد من التعقيد.
وبينما يُعد انتخاب رئيس الجمهورية خطوة مهمة في استكمال البناء الدستوري، إلا أن التحدي الأكبر يبقى في القدرة على إنتاج حكومة مستقرة وفاعلة، قادرة على مواجهة الأزمات المتراكمة وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ستحدد بشكل حاسم ملامح التجربة السياسية العراقية في السنوات القادمة، بين خيار الاستقرار عبر التوافق، أو استمرار دوامة الصراع السياسي على السلطة.