الهجوم على اليهود يعيد تشكيل العلاقة الأسترالية–الإسرائيلية
سيدني- لم يكن الهجوم العنيف الذي وقع خلال احتفال بعيد يهودي على أحد الشواطئ الأسترالية الشهيرة مجرد حادث أمني داخلي، بل تحوّل بسرعة إلى قضية دبلوماسية حساسة كشفت عن تعقيدات موقع أستراليا في شبكة علاقاتها الخارجية، وأعاد إلى الواجهة توترات مكتومة مع إسرائيل، في لحظة تتقاطع فيها اعتبارات السياسة الخارجية مع تداعيات الحرب على غزة، وتصاعد الاستقطاب الدولي حول قضايا الهوية والدين وحرية التعبير.
ومنذ اللحظات الأولى بعد الهجوم، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتصريحات مباشرة اتهم فيها حكومة أنتوني ألبانيزي بالتقاعس عن مواجهة تصاعد معاداة السامية منذ عام 2023.
ولم يكن هذا الاتهام مجرد تعبير عن قلق أمني أو تضامن مع الجالية اليهودية، بل حمل في طياته رسالة سياسية واضحة، تعكس تراجع منسوب الثقة بين تل أبيب وكانبيرا، وتحوّل الخلافات السابقة إلى صدام علني غير مسبوق بين حليفين تقليديين.
وقد جاء هذا التصعيد في سياق دبلوماسي مشحون أصلًا، إذ تعيش العلاقات الأسترالية الإسرائيلية منذ أشهر حالة من التوتر المتدرج، خصوصًا بعد قرار أستراليا الاعتراف بدولة فلسطين، وهو قرار اعتبرته إسرائيل خروجًا عن المسار التقليدي الذي لطالما ميّز مواقف كانبيرا.
ولم يتوقف الرد الإسرائيلي عند حدود الاعتراض السياسي، بل تُرجم إلى خطوات عملية تمثلت في إلغاء تأشيرات دبلوماسيين أستراليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في إجراء وصفته وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونج آنذاك بأنه “غير مبرر”، ما عكس حجم التصدع الذي أصاب العلاقة الثنائية.
وفي هذا الإطار، بدا الهجوم وكأنه عامل تسريع لتفجير توتر كان قائمًا بالفعل، لا سببه الوحيد. فإسرائيل تنظر إلى تصاعد معاداة السامية عالميًا بوصفه قضية عابرة للحدود، وترى في أمن الجاليات اليهودية امتدادًا لأمنها السياسي والرمزي، وهو ما يجعلها تميل إلى ممارسة ضغوط مباشرة على الدول الحليفة لدفعها إلى تشديد سياساتها الداخلية، وربط أي تراخٍ في هذا الملف بمواقفها من الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
وفي المقابل، حاولت حكومة ألبانيزي التعامل مع الموقف بمنطق دبلوماسي دفاعي، يوازن بين احتواء الغضب الإسرائيلي وعدم الظهور بمظهر الخاضع للضغط الخارجي. فالدعوة إلى وحدة الصف، واستعراض الإجراءات القانونية التي اتخذتها الحكومة لتجريم خطاب الكراهية والتحريض على العنف وحظر الرموز النازية، لم تكن موجهة للرأي العام الداخلي فحسب، بل حملت رسالة خارجية مفادها أن أستراليا دولة ذات سيادة، تمتلك أدواتها ومؤسساتها، ولا تقبل أن يُملى عليها كيفية إدارة شؤونها الداخلية.
غير أن هذا التوازن الدقيق بدا هشًا، في ظل استمرار إسرائيل في التشكيك بجدوى هذه الإجراءات، وفي ظل شعور متزايد داخل بعض الأوساط اليهودية بأن الحكومة الأسترالية تتساهل مع مناخ سياسي وثقافي يسمح بانتشار خطاب عدائي، خصوصًا مع استمرار المسيرات الأسبوعية المناهضة للحرب على غزة في سيدني منذ عام 2023.
وهنا تتجلى إحدى أعقد المعضلات الدبلوماسية التي تواجه كانبيرا، إذ تصر الحكومة على الفصل بين الاحتجاج السياسي المشروع ومعاداة السامية، بينما تميل إسرائيل إلى دمج الاثنين ضمن سردية واحدة ترى في هذه الاحتجاجات بيئة حاضنة للتطرف.
ولا يعكس هذا التباين في القراءة فقط اختلافًا في التقدير، بل اختلافًا في الفلسفة السياسية والقانونية. فأستراليا، كدولة ليبرالية متعددة الثقافات، تستند إلى منظومة قانونية تضمن حرية التعبير والتظاهر، حتى عندما يكون الخطاب حادًا أو مثيرًا للجدل.
وأما إسرائيل، التي تعيش في سياق أمني دائم، فتميل إلى مقاربة أكثر تشددًا، ترى في أي خطاب معادٍ لها خطرًا محتملًا على أمن اليهود في الداخل والخارج. ودبلوماسيًا، يضع هذا الاختلاف كانبيرا في موقع صعب، إذ تجد نفسها مطالبة بتفسير نموذجها الليبرالي والدفاع عنه أمام حليف لا يتبناه بالضرورة.
وتزداد حساسية هذا الموقف مع إدخال البعد الإقليمي والدولي إلى الأزمة، لا سيما بعد طرد أستراليا للسفير الإيراني، على خلفية اتهام أجهزة الاستخبارات الحرس الثوري الإيراني بالضلوع في هجمات حرق متعمد معادية للسامية داخل البلاد.
وبهذه الخطوة، أرادت كانبيرا توجيه رسالة حازمة بأنها لن تتسامح مع أي تدخل خارجي يهدد أمن مواطنيها، وبأنها مستعدة لاتخاذ إجراءات دبلوماسية قاسية عند الضرورة. غير أن هذه الرسالة، وإن عززت صورة
بنيامين نتنياهو يتهم رئيس الوزراء الأسترالي التقاعس عن مواجهة تصاعد معاداة السامية منذ حرب غزة في 2023.
أستراليا كدولة حازمة أمنيًا، وضعتها أيضًا في قلب صراع إقليمي أوسع، حيث تتقاطع ملفات إيران وإسرائيل ومعاداة السامية في شبكة معقدة من الاتهامات والاصطفافات.
وبهذا المعنى، لم يعد الهجوم مجرد قضية داخلية أو ثنائية، بل تحوّل إلى حلقة ضمن سلسلة توترات إقليمية انعكست على الساحة الأسترالية.
ودوليًا، تراقب عواصم غربية ومنظمات حقوقية كيفية تعامل أستراليا مع هذه الأزمة، باعتبارها اختبارًا لقدرة دولة متعددة الثقافات على حماية الأقليات دون التضحية بالحريات الأساسية. فالمقترحات الداعية إلى تشديد فحص طالبي التأشيرات أو توسيع الرقابة على الجامعات والمؤسسات الثقافية، وإن قُدّمت بوصفها إجراءات وقائية، تحمل في طياتها مخاطر دبلوماسية تتعلق بسمعة أستراليا الدولية، وإمكانية تعرضها لانتقادات بشأن التمييز أو التضييق على حرية الفكر.
وفي هذا السياق، تجد الدبلوماسية الأسترالية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: فهي مطالبة بإظهار التزام واضح بمكافحة معاداة السامية، ليس فقط التزامًا أخلاقيًا وقانونيًا، بل أيضًا حفاظًا على علاقاتها مع شركائها الغربيين وإسرائيل، وفي الوقت ذاته مطالبة بالحفاظ على نموذجها الليبرالي، وعدم الانجرار إلى سياسات قد تخلق توترات داخلية أو تشوه صورتها الخارجية.
ويكشف هذا المشهد أن العلاقة بين أستراليا وإسرائيل تمر بمرحلة إعادة تعريف هادئة ولكن عميقة. فالدعم التقليدي غير المشروط بات أقل حضورًا، وحلّ محله دعم مشروط باعتبارات القانون الدولي والرأي العام الداخلي.
وفي المقابل، لا ترغب كانبيرا في قطع الجسور مع تل أبيب أو الدخول في مواجهة دبلوماسية مفتوحة، إدراكًا لأهمية العلاقة الاستراتيجية والتاريخية بين الطرفين.
وعليه، يبدو أن الخيار الأسترالي يتمثل في إدارة الخلاف بدل حسمه، عبر الفصل بين إدانة معاداة السامية ومكافحتها، وبين الاحتفاظ بهامش نقدي تجاه السياسات الإسرائيلية، خصوصًا في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. غير أن هذا الخيار يظل محفوفًا بالمخاطر، إذ يتطلب مهارة دبلوماسية عالية وقدرة على امتصاص الضغوط المتناقضة، سواء القادمة من الخارج أو من الداخل.
ويشير محللون أن الهجوم يكشف أن أستراليا لا تواجه مجرد تحدٍ أمني عابر، بل اختبارًا دبلوماسيًا عميقًا يمس جوهر سياستها الخارجية وهويتها الدولية. فطريقة إدارتها لهذه الأزمة ستحدد ما إذا كانت قادرة على الحفاظ على توازنها الدقيق بين التحالفات التقليدية والاستقلالية السياسية، وبين حماية الأقليات وصون الحريات، في عالم يتجه بخطى متسارعة نحو مزيد من الاستقطاب وتراجع المساحات الرمادية.