النينيو والنينيا

من المرجح أن تشهد معظم مناطق العالم درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية، مع ظروف أكثر رطوبة في بعض المناطق، في مقابل ازدياد خطر الجفاف في مناطق أخرى.
الأربعاء 2026/08/05
هل علينا أن نخاف؟

العالم يواجه مخاطر مناخية حقيقية خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. ويبدو أن خريف هذا العام لن يكون عادياً، إذ قد يشهد ظواهر مناخية وطبيعية متطرفة تدفع كثيراً من مناطق العالم إلى حافة الأزمات.

وفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تستمر ظاهرة النينيو في التزايد تدريجياً، ومن المتوقع أن تهيمن على أنماط المناخ العالمية خلال الفترة الممتدة بين أغسطس وأكتوبر، بما يزيد من احتمالات ارتفاع درجات الحرارة فوق معدلاتها الطبيعية في معظم أنحاء العالم، ويؤدي إلى تحولات كبيرة في أنماط هطول الأمطار. وبالتزامن مع الارتفاع الاستثنائي في حرارة المحيطات العالمية، واحتمال تشكل ظاهرة ثنائي القطب الإيجابي في المحيط الهندي، يُتوقع أن تؤثر النينيو بصورة واسعة في أنماط الطقس خلال الأشهر المقبلة.

ومن المرجح أن تشهد معظم مناطق العالم درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية، مع ظروف أكثر رطوبة في بعض المناطق، في مقابل ازدياد خطر الجفاف في مناطق أخرى.

وتتميز ظاهرة النينيو بارتفاع غير معتاد في درجات حرارة المياه السطحية في وسط وشرق المحيط الهادئ. ويعود أصل التسمية إلى الصيادين في بيرو الذين لاحظوا ظهور تيار مائي دافئ أدى إلى تراجع كميات الأسماك، فأطلقوا عليه اسم النينيو، وهي كلمة إسبانية تعني “الطفل الصغير” أو “المسيح الطفل”، لارتباط ظهوره غالباً بفترة عيد الميلاد. أما الظاهرة المقابلة، وهي النينيا، التي تعني بالإسبانية “الطفلة الصغيرة”، فتتميز بانخفاض غير معتاد في درجات حرارة المياه السطحية في المنطقة نفسها، مع اشتداد الرياح التجارية الشرقية.

مبدئياً، نحن أمام ظاهرة سبق أن ارتبطت في إحدى أقوى موجاتها التاريخية، أواخر القرن التاسع عشر، بموجات جفاف ومجاعات أودت بحياة ملايين البشر. واليوم، ورغم التقدم العلمي والتقني، فإن العالم لا يزال معرضاً لتداعياتها، وإن كانت قدرته على التكيف أكبر بكثير مما كانت عليه في الماضي.

وقد حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن النينيو قد يدفع نحو 49 مليون شخص إضافي إلى مواجهة انعدام حاد في الأمن الغذائي في بعض أكثر مناطق العالم هشاشة بحلول نهاية العام المقبل. كما أشار إلى أن احتمال تطور الظاهرة إلى مستوى شديد القوة يبلغ 81 في المئة، في ظل وصول درجات حرارة سطح البحر إلى أعلى مستوياتها منذ عام 1982 على الأقل، مع إمكانية أن تصبح من أقوى موجات النينيو منذ عام 1950. وتشير الدراسات إلى أن عدد الأشخاص الذين يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي قد يرتفع بنحو 22 في المئة، ليصل إلى 274 مليون شخص.

وستشمل المخاطر أعاصير وفيضانات غير مسبوقة في أجزاء من العالم، مقابل موجات جفاف قاسية في مناطق أخرى، إضافة إلى تسارع ذوبان الجليد وارتفاع مستوى سطح البحر. كما يُتوقع أن تواصل درجات الحرارة تسجيل مستويات قياسية، وهو ما دفع عدداً من العلماء إلى استخدام تعبير “غليان الأرض” لوصف شدة الاحترار العالمي.

هل علينا أن نخاف؟ أعتقد أن علينا أن نقلق وأن نستعد. فنحن نعيش في إقليم مضطرب، وفي دول تعاني هشاشة في كثير من القطاعات، وتنتمي إلى مجتمعات تواجه أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة. وإذا أضيفت إلى كل ذلك صدمة مناخية واسعة النطاق، فقد تتفاقم الأوضاع أكثر، في ظل محدودية القدرة على المواجهة والتكيف، وهو ما قد ينعكس في مزيد من الضغوط على الخدمات الأساسية والموارد الحيوية.