النفط والأمن يعيدان صياغة العلاقة بين بغداد ودمشق
دمشق – وصل وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى العاصمة السورية دمشق صباح الاثنين، في زيارة تحمل دلالات سياسية واقتصادية بالغة الأهمية، لكونها الأولى لمسؤول عراقي رفيع المستوى منذ الإطاحة بحكم الرئيس بشار الأسد في نهاية عام 2024.
وتأتي الزيارة لتكسر حالة الحذر والترقب التي طبعت موقف بغداد تجاه الإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع في أشهرها الأولى، مما يعكس تحولا ملموسا ورغبة جادة من الطرفين في إعادة صياغة العلاقات الثنائية على أسس جديدة تفرضها التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة.
ويتضمن جدول أعمال رئيس الدبلوماسية العراقية لقاءات رفيعة المستوى تشمل الرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، بالإضافة إلى وزير الطاقة محمد البشير.
مسارات الأحداث الحالية تؤكد أن المصالح المشتركة تفوقت على موروثات الماضي، لاسيما بعد الزيارة الناجحة التي قام بها الشيباني إلى بغداد في مارس 2025
وتهدف هذه الاجتماعات الموسعة إلى وضع خارطة طريق لتطوير التعاون المشترك في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والتجارية، فضلاً عن تنسيق المواقف إزاء الأوضاع الإقليمية والدولية المتوترة التي تفرض على البلدين، اللذين يتشاركان حدودا برية تمتد لأكثر من 600 كيلومتر، رفع مستويات التشاور والتنسيق لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة.
وتشهد العلاقات الاقتصادية بين بغداد ودمشق دفعة قوية بالتزامن مع هذه الزيارة، حيث بدأ العراق مؤخرا تصدير كميات محدودة من نفطه عبر الأراضي السورية، كخيار إستراتيجي بديل بعد تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز إثر تداعيات حرب إيران.
ويمثل هذا التطور خطوة حيوية لتأمين منافذ الطاقة العراقية، ويعيد في الوقت ذاته إحياء الدور السوري كعصب حيوي لخطوط الإمداد الإقليمية، مما يمهد الطريق لتعاون أعمق في قطاع الطاقة والربط الشبكي بين البلدين.
وتتصدر الملفات الأمنية ومكافحة الإرهاب أجندة المحادثات بين الوفد العراقي والمسؤولين السوريين، مستندة إلى زيارات سابقة قامت بها وفود أمنية عراقية رفيعة المستوى إلى دمشق، برئاسة رئيس جهاز المخابرات حميد الشطري، ركزت بشكل أساسي على ضبط الحدود ومنع تسلل العناصر المسلحة.
لقاءات رفيعة المستوى تشمل الرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، بالإضافة إلى وزير الطاقة محمد البشير
وتكتسب هذه المباحثات أهمية مضاعفة بعد قيام الجيش الأميركي مطلع هذا العام بنقل أكثر من 5700 معتقل من عناصر تنظيم داعش من مراكز الاحتجاز في سوريا إلى العراق، وذلك في أعقاب انسحاب القوات الكردية من تلك المراكز، ومع الانسحاب الأخير لقوات التحالف الدولي من سوريا، تدرك بغداد ودمشق ضرورة الاعتماد على التنسيق الثنائي المباشر لسد أي فراغ أمني قد يستغله المتطرفون.
وتجاوز البلدان الحساسيات السياسية السابقة التي أثارتها بعض الملفات العالقة، ومنها الجدل الذي دار العام الماضي في الأوساط العراقية حول مذكرة توقيف قديمة بحق أحمد الشرع تعود إلى فترة سجنه السابقة في العراق، وهي القضية التي تم احتواؤها دبلوماسيا عبر تمثيل أسعد الشيباني لسوريا في القمة العربية التي استضافتها بغداد في مايو 2025.
وتؤكد مسارات الأحداث الحالية أن المصالح المشتركة تفوقت على موروثات الماضي، لاسيما بعد الزيارة الناجحة التي قام بها الشيباني إلى بغداد في مارس 2025 وتأكيده على ضرورة رفع معدلات التبادل التجاري.
وتتجسد ترجمة هذا التقارب على أرض الواقع في إعادة فتح العراق خلال منتصف أبريل الماضي معبر “ربيعة” (اليعربية) الحدودي بعد إغلاق دام أكثر من عقد كامل بسبب الظروف الأمنية، لتصبح بذلك جميع المعابر الحدودية الثلاثة بين البلدين مفتوحة بالكامل أمام حركة البضائع والمسافرين.
وينظر المسؤولون في بغداد إلى هذا المعبر تحديدا بأهمية قصوى، كونه يربط العراق بريّا بسوريا ومنها إلى تركيا، مما يجعله رافدا أساسيا لمشروع “طريق التنمية” العملاق، وهو الممر الممتد بطول 1200 كيلومتر من الطرق السريعة وسكك الحديد المصممة لربط دول الخليج العربي بتركيا وأوروبا عبر الأراضي العراقية، وهو ما يجعل من استقرار سوريا وتكاملها التجاري مع العراق حجر زاوية لنجاح هذا المشروع الإقليمي الواعد.