النساء يُقتلن والإفلات يسود.. أمنستي تسائل حكومة الزيدي

يبقى السؤال معلقاً: هل ستستجيب حكومة الزيدي للنداء الدولي والداخلي، وتحول الملف من خانة "التعهدات" إلى واقع يحمي المواطنات؟ أم أن الشلل التشريعي والتوازنات السياسية ستظل سيدة الموقف؟ 
الأربعاء 2026/08/19
أجيال تتوارث المعاناة

بغداد- وجهت منظمة العفو الدولية (أمنستي إنترناشونال) نداءً صريحاً إلى الحكومة العراقية ورئيس وزرائها علي فالح الزيدي، داعية إلى إنهاء ما وصفته بـ"الإفلات النُظمي من العقاب"، وضمان حماية حقوق النساء والفتيات، ووقف الترهيب الذي يستهدف المدافعات عن حقوق الإنسان.

وجاءت الرسالة بمناسبة مرور ثلاثة أشهر على إقرار البرنامج الوزاري للحكومة (2026-2029) الذي أُطلق في 14 مايو 2026، مؤكدة أن التقدم المحرز في الوفاء بالتعهدات المتعلقة بتمكين المرأة ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يزال "ضئيلاً للغاية".

هذا النداء ليس مجرد بيان حقوقي روتيني؛ إنه يعكس واقعاً اجتماعياً وقانونياً معقداً تعيشه المرأة العراقية منذ عقود، تفاقمت فيه مظاهر العنف الأسري وجرائم "الشرف" والاعتداءات على الناشطات، في ظل فراغ تشريعي مزمن وتعديلات قانونية مثيرة للجدل، وبيئة أمنية وسياسية لا توفر الحماية الكافية لمن يدافعن عن حقوقهن.

وفي صلب انتقادات المنظمة يأتي الغياب المستمر لـ"قانون العنف الأسري". هذا القانون، الذي قُدم كمسودة منذ أكثر من عقد، لا يزال معطلاً في أروقة البرلمان العراقي بسبب خلافات سياسية واجتماعية عميقة. وترى بعض الكتل المحافظة أن مثل هذا التشريع يتعارض مع "القيم التقليدية" أو يفتح الباب لتدخل الدولة في الشؤون الأسرية، بينما يؤكد الحقوقيون أنه ضرورة ملحة لحماية الناجيات وتوفير ملاذات آمنة وآليات قضائية فعالة.

وفي ظل هذا الفراغ، تعتمد السلطات على نصوص عامة في قانون العقوبات، أبرزها المادة 41 التي تسمح بـ"تأديب" الزوجة والأبناء "في حدود ما هو مقرر شرعاً أو عرفاً أو قانوناً"، وهو ما يُستغل في كثير من الحالات لتبرير العنف. وتكون النتيجة في الأغلب كارثية، حيث تواجه آلاف النساء الاعتداء الجسدي والنفسي والجنسي دون حماية قانونية واضحة، وغالباً ما يُجبرن على الصلح العشائري أو العودة إلى بيئة العنف تحت ضغط اجتماعي.

وتشير إحصاءات غير رسمية وحقوقية إلى حجم الظاهرة. إذ سجل المرصد العراقي لحقوق الإنسان أكثر من 36 ألف حالة عنف أسري خلال عام 2025 وحده، مع تسجيل آلاف الدعاوى في النصف الأول من 2026، غالبيتها اعتداءات أزواج على زوجاتهم. هذه الأرقام، رغم ارتفاعها، لا تعكس الحجم الحقيقي، لأن كثيراً من الضحايا يفضلن الصمت خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو الانتقام. أما جرائم القتل بذريعة "صون الشرف"، فتستمر في ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة وشفافة، مما يعزز مناخ الإفلات من العقاب.

ولم تقتصر انتقادات "أمنستي" على القوانين الغائبة، بل امتدت إلى التعديلات التي أُقرت. ففي أغسطس 2025، اعتمد البرلمان تعديلات على قانون الأحوال الشخصية تستند إلى الفقه الجعفري الشيعي، تسمح للأزواج باختيار تطبيق أحكام دينية بدلاً من القانون المدني لعام 1959 في مسائل الزواج والطلاق والحضانة والميراث. وحذرت المنظمة ومنظمات أخرى مثل هيومن رايتس ووتش من أن هذه التعديلات تقوض المساواة القانونية للنساء والفتيات، وتفتح الباب لخفض سن الزواج في بعض التفسيرات، وتضعف حقوق المرأة في الحضانة والنفقة والميراث، وتسمح للزوج في بعض الحالات بتغيير النظام القانوني دون موافقة الزوجة.

هذه التعديلات أثارت احتجاجات واسعة من الناشطات والمجتمع المدني في 2024 و2025، لكنها مرت رغم المعارضة.

كما أبرزت المنظمة البيئة الخطرة التي تعمل فيها مدافعات حقوق الإنسان. وأعادت إلى الأذهان اغتيال الناشطة البارزة يانار محمد، مديرة منظمة حرية المرأة في العراق، التي قُتلت برصاص مسلحين مجهولين على دراجة نارية أمام منزلها في شمال بغداد في 2 مارس 2026. توفيت متأثرة بجراحها في المستشفى. كانت يانار، البالغة من العمر حوالي 65 عاماً، من أبرز المدافعات عن حقوق المرأة منذ 2003، وأسهمت في تأسيس شبكة من الملاجئ الآمنة التي استقبلت مئات الناجيات من العنف الأسري وجرائم الشرف والاتجار. وواجهت حملات تشويه مستمرة وتهديدات بالقتل على مدى سنوات.

أعلنت السلطات فتح تحقيق، لكن حتى أغسطس 2026 لم يُعلن عن أي تقدم ملموس أو اعتقالات. وقعت محاولة اغتيال أخرى لناشطة في محافظة بابل في أبريل 2026.

وتؤكد "أمنستي" أن هذه الهجمات جزء من نمط أوسع يستهدف النشطاء منذ احتجاجات تشرين 2019، وأن حملات الترهيب القضائية باستخدام تهم "المحتوى الهابط" أو "الآداب العامة" تُستخدم لتكميم الأفواه.

وصرحت رازاو صالحي، باحثة شؤون العراق في المنظمة "يجب على رئيس الوزراء إعطاء الأولوية المطلقة لاعتماد تشريع شامل ومستقل لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وفتح تحقيقات فورية ونزيهة في الهجمات الممنهجة التي تطال الناشطات والناشطين". ودعت إلى إنهاء استخدام حملات "الأخلاق العامة" لتقويض حرية التعبير، وإزالة القيود على الإعلام المستقل.

واختتمت المنظمة رسالتها بتوصيات محددة منها خاصة الإسراع في إقرار قانون العنف الأسري دون بنود تقوض حقوق الضحايا وحماية المدافعات عن حقوق الإنسان وإنهاء الترهيب والملاحقات القضائية وتفعيل مراكز الإيواء الرسمية وتوفير دعم قانوني ونفسي متكامل ومستقل وضمان تحقيقات نزيهة في جرائم العنف ضد النساء والناشطات، ومحاسبة الجناة ووقف الإعدامات وتعزيز الحريات الأساسية.

تضع هذه المطالب حكومة الزيدي، التي جاءت بعد منافسة سياسية معقدة، أمام اختبار حقيقي. سبق أن أعلن رئيس الوزراء في يوليو 2026 خلال مؤتمر لمناهضة العنف ضد المرأة عن نية إعادة تشكيل المجلس الأعلى للمرأة وتفعيله. لكن المنظمات الحقوقية ترى أن التصريحات غير كافية ما لم تتحول إلى تشريعات وإجراءات ملموسة.

وفي بلد خرج من عقود من الحروب والاحتلال والإرهاب، لا يزال العنف ضد المرأة أحد أبرز التحديات الاجتماعية. النساء العراقيات اللواتي ساهمن في بناء المجتمع ومواجهة تنظيم داعش يحتجن اليوم إلى حماية قانونية حقيقية لا إلى وعود سياسية.