المياه الحلقة الهشة في أمن إسرائيل
القدس- لم تكن أزمة المياه التي واجهتها إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة مجرد عطل فني عابر في عدد من محطات التحلية، بل كشفت اختباراً أكثر عمقاً لمنظومة مائية بنت جزءاً كبيراً من أمنها على التكنولوجيا. فتعطل خمس محطات من أصل ست بسبب ارتفاع استثنائي في عكارة مياه البحر دفع السلطات إلى اللجوء بصورة أكبر إلى بحيرة طبريا والمياه الجوفية، في وقت تواجه فيه هذه الاحتياطيات نفسها ضغوطاً متزايدة.
وفي نهاية أغسطس، أدت ظاهرة غير معتادة من ازدهار الطحالب وارتفاع عكارة مياه البحر إلى وقف أو خفض إنتاج خمس من كبرى محطات التحلية الإسرائيلية، هي عسقلان وأشدود وبالمحيم وسوريك «أ» و«ب»، بينما واصلت محطة الخضيرة العمل. وقالت سلطة المياه إن مستويات العكارة بلغت معدلات استثنائية، وإن إيقاف المحطات جاء لتجنب إلحاق أضرار بأغشية التناضح العكسي ومعدات المعالجة.
وتشير المعطيات الرسمية الإسرائيلية إلى أن الظاهرة ارتبطت بازدهار طحالب دقيقة وانجرافها شمالاً من المنطقة المصرية، وليس بهجوم إلكتروني. وقد نفت سلطة المياه ووزارة الطاقة وجود دليل على هجوم سيبراني، رغم أن توقف عدد كبير من المنشآت في وقت واحد أثار في البداية تكهنات بهذا الاحتمال.
وتكمن أهمية الحادث في حجم الاعتماد على التحلية. فالمحطات الساحلية الست قادرة على إنتاج نحو 800 مليون متر مكعب سنوياً، وتوفر ما يصل إلى 80 في المئة من مياه الشرب والاستخدامات البلدية في إسرائيل، وإن كانت هذه النسبة لا تعني إجمالي استهلاك المياه في الاقتصاد الذي يشمل الزراعة والصناعة ومصادر أخرى.
تكشف أزمة المحطات الخمس أن الأمن المائي لا يرتبط فقط بكمية المياه التي تستطيع الدولة إنتاجها، وإنما أيضاً بقدرتها على مواصلة الإنتاج عندما تتعرض المنظومة لصدمة مشتركة
وعندما انخفض إنتاج التحلية، اضطرت السلطات إلى إعادة توزيع الموارد. وأفادت سلطة المياه بأن محطة الخضيرة عادت إلى العمل بكامل طاقتها، بينما ظلت المحطات الخمس الأخرى تعمل جزئياً، بحيث بلغ الإنتاج الإجمالي نحو 60 في المئة من المستوى اليومي المعتاد، مع تعويض النقص من خلال زيادة الضخ من بحيرة طبريا والآبار. كما خُفضت إمدادات المياه العذبة المخصصة للزراعة، وظهرت اضطرابات محلية في بعض المناطق.
لكن السلطات أكدت في المقابل أن إمدادات المنازل لم تتعرض لانقطاع واسع، وأن الأولوية أعطيت لمياه الشرب والاستخدامات المنزلية. وهذا التفصيل مهم، لأن الأزمة لم تتحول إلى انهيار في منظومة الإمداد، لكنها كشفت حدود قدرتها على امتصاص صدمة واسعة تصيب عدة منشآت في الوقت نفسه.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: التكنولوجيا التي ساعدت إسرائيل على تجاوز سنوات من شح المياه وتقلب الأمطار جعلت النظام أكثر اعتماداً على عدد محدود من المنشآت الكبيرة المتقاربة على ساحل البحر المتوسط. فإذا كان تعطل محطة واحدة قابلاً للتعويض، فإن تعرض معظم المحطات لظاهرة بيئية واحدة يخلق مشكلة مختلفة تماماً.
وقد أعادت الأزمة إلى الواجهة تحذيرات سابقة لمراقب الدولة الإسرائيلي. فبين عامي 2007 و2023، سجلت 14 حادثة تلوث لمياه البحر أدت إلى توقف الإنتاج في محطات التحلية لفترات تراوحت بين ساعات وخمسة أيام. غير أن الأزمة الحالية كانت مختلفة من حيث نطاقها، بعدما أصابت خمس محطات بصورة متزامنة تقريباً. كما حذرت تقارير سابقة من مخاطر تغير نوعية مياه البحر، والأنواع الغازية، والتغير المناخي، ومن الحاجة إلى الحفاظ على مصادر المياه الطبيعية كاحتياطي استراتيجي.
وتزداد حساسية المسألة مع وضع الاحتياطيات الطبيعية. فقد أشارت مناقشة لجنة مراقبة الدولة في الكنيست إلى أن مستوى بحيرة طبريا في سبتمبر كان نحو 0.41 متر تحت الخط الأحمر الأدنى، بينما تحتاج المياه الجوفية أيضاً إلى حماية واستعادة. وفي هذه الظروف، فإن استخدام هذه المصادر لتعويض انخفاض التحلية ليس حلاً بلا تكلفة، خصوصاً إذا استمرت فترات الجفاف أو تراجعت معدلات الأمطار.
ولا يعني ذلك أن منظومة التحلية أثبتت فشلها؛ العكس أن قدرتها على استعادة جزء من الإنتاج وتحويل المياه من مصادر أخرى ساعدت على منع الأزمة من التحول إلى نقص واسع في مياه المنازل. لكن الحادث يطرح سؤالاً مختلفاً حول مرونة النظام: ماذا يحدث عندما تتعطل عدة حلقات في وقت واحد، سواء بفعل ظواهر بيئية أو تلوث أو أعطال تقنية أو تهديدات أمنية؟
ولهذا تحولت الأزمة إلى نقاش حول ما إذا كان ينبغي لإسرائيل أن تعيد بناء هامش أوسع من الأمان حول منظومة التحلية، عبر توزيع المنشآت جغرافياً، وتطوير الآبار، وإعادة تأهيل الخزانات الجوفية، وزيادة استخدام المياه المعالجة، والحفاظ على بحيرة طبريا كمخزون احتياطي، بدلاً من التعامل مع التحلية باعتبارها الحل المركزي لكل أزمات المياه.
في بلد جعل من إدارة الندرة المائية نموذجاً للتكنولوجيا والتخطيط، تكشف أزمة المحطات الخمس أن الأمن المائي لا يرتبط فقط بكمية المياه التي تستطيع الدولة إنتاجها، وإنما أيضاً بقدرتها على مواصلة الإنتاج عندما تتعرض المنظومة لصدمة مشتركة. ومن هذه الزاوية، لا تبدو المشكلة في التحلية ذاتها، بل في السؤال الذي تفرضه الأزمة: هل تكفي التكنولوجيا عندما يصبح مصدر الخطر أوسع من قدرة المحطات على عزل نفسها عنه؟