المفوضية الليبية تعلن جاهزية مشروطة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية

المفوضية تشترط توفير متطلبات التمويل والتأمين، وتطالب البعثة الأممية بالتركيز على حسم الخلافات القانونية فورا وتحذرها من الانجرار لترسيخ الجمود.
الأحد 2025/11/30
الجمود السياسي يواجه غضبا شعبيا يطالب بالتغيير

طرابلس - أكدت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا، اليوم الأحد، "جاهزيتها القصوى" لإجراء وتنفيذ الانتخابات الرئاسية والنيابية في منتصف أبريل المقبل، بعد الانتهاء تماما من الانتخابات البلدية في نهاية مارس.

وربطت المفوضية هذه الجاهزية بشروط واضحة وملزمة، تمثلت في "توفير متطلبات التمويل والتأمين والاتفاق على الآلية التي ستوضع لدعم هذه العملية المصيرية والإشراف عليها في ظل الحكومتين".

ويعدّ هذا الإعلان بمثابة تحد مباشر للطبقة السياسية ولبعثة الأمم المتحدة، حيث يضع المفوضية في موقف الطرف الجاهز تقنيا ولكنه معطل سياسيا وقانونيا.

وشددت المفوضية في بيانها على "استقلالها وحياديتها بما يؤهلها لكسب ثقة المواطنين والسياسيين بمختلف توجهاتهم"، مؤكدة حريتها على "ممارسة دورها السيادي الذي كفله الإعلان الدستوري على العملية الانتخابية بكل مكوناتها ومتطلباتها في إطار سيادة الدولة على مؤسساتها وما يصدر عنها من قوانين وقرارات".

ويأتي هذا التأكيد في السياق الليبي الحالي الذي يسيطر عليه الانقسام الحكومي والسياسي، حيث تسعى المفوضية لتثبيت موقعها كجسم فني محايد لا يخضع لضغوط أي طرف من الأطراف المتصارعة، وهو ما يعزز الثقة في نزاهة العملية الانتخابية حال انطلاقها.

وأوضحت المفوضية أنها ستعمل على "تعزيز القدرات الفنية في مواجهة أي تحديات تعترض عملية تنفيذ الانتخابات الرئاسية والنيابية في منتصف أبريل 2026 حال توفير متطلبات التمويل والتأمين والاتفاق على الآلية التي ستوضع لدعم هذه العملية المصيرية والأشراف عليها في ظل الحكومتين".

ويظهر هذا التفصيل في تحديد الموعد والشروط، خاصة فيما يتعلق بالتمويل والتأمين في ظل وجود حكومتين متنافستين (في طرابلس والشرق)، أن المفوضية تضع خارطة طريق فنية تتطلب غطاء سياسيا وأمنيا مستقرا وغير منقسم.

وانتقلت المفوضية بلهجة حازمة إلى مخاطبة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، داعية إياها إلى التركيز على "جوهر الخلاف المتمثل في تعديل القوانين الانتخابية الصادر عن لجنة 6+6، والعمل على تسوية تلك الخلافات فورا وإحالتها إلى المفوضية دون أي تأخير أو مماطلة، لتباشر إصدار اللوائح التنظيمية والإجراءات التنفيذية استعدادا لإطلاق عملية التنفيذ".

ويمثل هذا المطلب ضغطا مباشرا على الأمم المتحدة لتحمل مسؤوليتها في حل العقدة القانونية التي تسببت في انهيار الانتخابات السابقة في ديسمبر 2021، والمتمثلة في خلافات حول شروط الترشح والقواعد المنظمة للعملية.

وفي المقابل، تتضارب هذه الرؤية مع الإصرار القادم من السلطة التشريعية في الشرق على التنفيذ الفوري للقانون الحالي، فقد طالبت المفوضية البعثة الأممية كذلك بـ"عدم الانجرار والانصياع إلى مطالبات غايتها الإبقاء على حالة الجمود التي نخرت في هيكل الدولة، وأن لا تنخرط في مسارات لن تقدم شيئا لجذور المشكلة بل ستزيد الأمر تعقيدا".

ويفهم من هذا التحذير أن المفوضية ترفض أي مبادرات أممية قد تشتت الجهود بعيدا عن الحل القانوني المباشر، وتخشى من الانخراط في حوارات لا نهاية لها هدفها إطالة أمد المرحلة الانتقالية.

وأكدت المفوضية أن "قرار تغيير الوضع الراهن يجب أن يكون ليبيا محضا، ومسؤولية اتخاذه مسؤولية الليبيين دون غيرهم فلا يجب أن يخضع لأجندات خارجية وتدخلات دولية وحسابات ومصالح إقليمية".

وشددت على أن "مجلسي النواب والدولة أن يتحملا مسؤوليتهما أمام الله والشعب في إنقاذ الوطن من ما يحاك له من مؤامرات غايتها ترسيخ واقع الانقسام والتشرذم".

ويلقي هذا الجزء من البيان بالكرة بشكل كامل في ملعب القوى السياسية الليبية المتحكمة في التشريعات.

جاءت هذه التطورات في لحظة تشهد فيها ليبيا انسدادا سياسيا مستمرا، فالحكومتان في طرابلس والشرق تتمترسان حول شرعية كل منهما.

يأتي هذا التحرك من المفوضية بعدما شهدت مدن بنغازي والبيضاء وطبرق شرقا، وسبها وأوباري والجفرة جنوبا، وبني وليد غربا، الجمعة تجمعات شعبية، طالب من خلالها المتظاهرون بالإسراع في تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية، مشددين على حقهم في اختيار رئيس للبلاد عبر الاقتراع.

ويعكس هذا الزخم الشعبي الضغط المتزايد على المؤسسات للتحرك وإنهاء المرحلة الانتقالية الطويلة.

وتفاعلت سلطات شرق ليبيا بشكل سريع مع هذا الحراك الشعبي الذي يطالب بضرورة حسم مسار الشرعية عبر صناديق الاقتراع وإنهاء المرحلة الانتقالية، ودعت الجمعة، إلى تنظيم انتخابات رئاسية في أقرب وقت.

وحثّ رئيس البرلمان عقيلة صالح المفوضية العليا للانتخابات على البدء الفوري في تنفيذ قانون انتخاب رئيس الدولة الصادر عن السلطة التشريعية، واتخاذ الخطوات اللازمة لتحديد موعد الانتخابات الرئاسية في أقرب وقت ممكن.

واعتبر صالح أن الإسراع بتنظيمها يمثل خطوة أساسية في بناء دولة مستقرة، مؤكدا أن خروج آلاف المواطنين في مختلف مناطق ليبيا يعكس "رغبة ما يقارب من 3 مليون ناخب مسجل في التوجه نحو الانتخابات دون تأخير، مشدداً على أن إرادة الليبيين هي مصدر السلطات".

وأيد رئيس الحكومة المكلف من البرلمان أسامة حماد، في بيان، مطالب المتظاهرين، معتبرا أن إجراء الانتخابات الرئاسية أصبح ضرورة لإنهاء المرحلة الصعبة من الانقسام المؤسساتي الذي تعيشه البلاد.

وأعرب نواب إقليم برقة بمجلس النواب الليبي عن دعمهم الكامل للمظاهرات، معتبرين أنها تمثل تعبيرا واضحا عن الإرادة الشعبية المطالِبة بالإسراع في إنجاز الانتخابات الرئاسية.

أكد النواب بحسب بيان نشره المتحدث الرسمي للمجلس، عبدالله بليحق، أن شرعيتهم مستمدة من الشعب، مشّددا على تمسكهم بإجراء الانتخابات الرئاسية في أقرب وقت ممكن.

ودعا النواب المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إلى الشروع الفوري في تنفيذ قانون انتخاب رئيس الدولة، باعتبار ذلك خطوة محورية لحفظ استقرار ليبيا ومنع أي تدخل خارجي في تقرير مستقبلها السياسي.

ووجهوا تحذيرا لبعثة الأمم المتحدة من محاولة الالتفاف على مطلب الليبيين الواضح بإجراء انتخابات رئاسية مباشرة.

وتظهر هذه الدعوات السياسية تصادما مع موقف المفوضية الفني، التي ترفض الشروع في التنفيذ قبل تسوية الخلافات الجوهرية وتعديل القوانين نفسها، مما يرسخ الجمود الفعلي رغم الجاهزية المعلنة.

ويلاحظ أن هذا الحراك السياسي والبرلماني يغيب عنه أي تعليق رسمي فوري من حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها برئاسة عبدالحميد الدبيبة ولا من المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي ولا من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، مما يشير إلى حالة ترقب لما سيؤول إليه الزخم الشعبي وشروط المفوضية.

وظلت الأمم المتحدة، منذ سنوات، تطرح مبادرات لم تكتمل، حيث طرحت في أغسطس الماضي خريطة طريق جديدة تقوم على معالجة القواعد الدستورية وتوحيد المؤسسات وإطلاق حوار وطني واسع، إلا أن ضعف الالتزام المحلي وعدم الاتفاق على ترتيب الأولويات جعلا هذه الرؤية عالقة.

تأتي خطوة المفوضية لـ"إنهاء الانقسام واستعادة الشرعية" عبر صناديق الاقتراع، لتضع حدا للتعثر المستمر الذي خيّم على الملف الانتخابي بسبب الخلافات حول القواعد المنظّمة للترشح والأسماء المؤهلة للمنافسة، وهي العقبات التي أدت إلى انهيار انتخابات ديسمبر 2021.

وتظهر جاهزية المفوضية المشروطة، مع الزخم الشعبي وموقف الشرق الداعي للتنفيذ الفوري للقانون، أن الكرة الآن في ملعب البعثة الأممية ومجلسي النواب والدولة لحسم الخلافات التشريعية أولا قبل أي عملية تنفيذ.