المغرب لا ينتحب ولا يضطرب… هو جاد وينتخب
السيد بيدرو سانشيز، الاشتراكي، رئيس الحكومة الإسبانية، أتعب حنجرته جراء تكراره، لسنوات، أن هاتفه لم يتعرض لأي تنصّت استخباراتي، وخاصة من جهة المغرب. ومؤخراً، أعاد في كل المحافل الدستورية والإعلامية الإسبانية نفيه لأي تدخل مغربي في إثارة أحداث سبتة، بناءً على التقارير التي وصلته من مخابرات بلاده. وكل مرة، الذين كان يخاطبهم يرفضون أي نقض لقناعتهم “بالعدوانية المغربية”، حتى ولو من المعني الأول بها، لأنهم مصرّون على تغذية، وبدون دلائل، صورة المغرب التي “بُنيت دولته على الشر”. وعلى تلك الصورة، تلتقي، إضافة إلى جهات يمينية إسبانية حزبية وإعلامية، جهات أخرى تدمن التربص بالمغرب.
التربص العدائي بالمغرب اتسعت جوقته بالرافد الإسباني من المواقع الجزائرية، التربص واضح ومباشر. عدا عن مناولة تلك الخدمة التحريضية بأدوات جنسيات أخرى، منها الصريحة في “الكشف” عن آمرها، ومنها التي يفضحها كلامها الدال عليه. وعلى ضفاف ذلك “السيل” العدائي، نشطت أصوات من بعض مستقرات خارجية لفرار مغاربة، ولحسابات خاصة بهم، من منطلق خصومات مع بلدهم ومع قوانينه، ينفثون ضده جرعات قوية من البذاءة المخلوطة بالسب والافتراء والبهتان.
لم يكن ذلك جديداً على المغاربة، فقد تابعوا “نشأة” ذلك النوع من “الزعرنة (الصعلكة) الرقمية السمعية-البصرية” قبل سنوات، في سياق انهماك المغرب في إثمار المسار الإصلاحي والتحديثي للعهد الجديد في قيادة الدولة… وهي “زعرنة” تؤثث لعفونة حقد فردي، مشاع لتوظيفه وتغذيته من جهات خارجية، خليط من دولة ومن جهات مصلحية لدول في الجوار المغربي، يزعجها أن تلاحظ نمو واتساع الفعل المغربي في موقعه الجيوستراتيجي.
المغاربة لديهم مشروع إصلاحي وتحديثي هيكلي، منخرطون في إثباته في الجغرافيا وتبييئه في التاريخ منذ قرابة ثلاثة عقود. وله اليوم تجليات ومعالم وروافع، يحرص المغاربة على ألا يشغلهم عن تكريسها وتغذيتها وتطويرها أي ضجيج أو ولولات أو تدليس من تلك الجهات التي يزعجها أن تقدم المغاربة في إنجاز أبنية المسار الإصلاحي يكشف الحقد المستبد بها، والذي يعجزها، في حالة الدولة المعتلة، عن الانشغال بما يفيدها لتكون الدولة الصالحة لشعبها والناهضة بمصلحة بلادها. وفي حالة الأفراد “الزعران”، الحقد يعجزهم عن علاج أنفسهم من بلية الانحراف التي تفاقم عداءهم لوطنهم ولقوانينه… ليس إلا.
رغم نفي بيدرو سانشيز المتكرر لأي تدخل مغربي في أحداث سبتة، تصر جهات إسبانية يمينية وإعلامية على تغذية صورة عدائية بلا دلائل.
المغاربة اليوم منهمكون في مواصلة تعبيد الاختيار الديمقراطي مساراً استراتيجياً في الوشائج الرابطة بين الدولة والمجتمع، عبر الانتخابات المنتجة للغرفة الأولى في النظام البرلماني المغربي، وهي التي ستقرر الأغلبية البرلمانية ويكون رئيس الحكومة المقبلة من الحزب الحائز على المرتبة الأولى من مقاعدها، والمقرر اقتراعها يوم 23 أيلول/سبتمبر الجاري.
هي انتخابات تكرس الانتظام في دورة التدخل الشعبي عبر الآلية الديمقراطية لتدبير الدولة، وفقاً لمقتضيات الدستور. بما يؤكد مرجعية الثقافة الدستورية لنظام الحكم في المغرب، تسري في أوصاله وتؤطر العلائق بين مكوناته ومؤسساته.
أيضاً، هذه الانتخابات، عدا عن تميزها بإعلاء قيمة الثقة في نجاعة إشراف وزارة الداخلية على تنظيمها، والقطع مع نزوعات التشكيك في حياد الدولة ونزاهة تأطير الإدارة الترابية لميسرات التنافس الانتخابي بين الأحزاب السياسية. فقد أبانت “الداخلية” عن فعالية في إرساء المقومات اللوجستية لانتخابات يفترض أن تعبر، سياسياً، بالمغرب نحو مواقع أوسع وأعمق في مساره الإصلاحي التاريخي. عدا عن ذلك، لاحظ المتتبعون والمتنافسون انفتاحاً غير مسبوق للإعلام العمومي على مكونات المشهد الحزبي المغربي، بضمان ولوج لها في أدوات “السمعي-البصري” العمومية، بشكل منصف ومطبوع باحترام القيم الأخلاقية والوطنية والديمقراطية، خلال مرحلة ما قبل الحملة الانتخابية “الرسمية”، وحتى خلالها، بالتعبير المباشر أو من خلال البرامج السياسية والندوات أو تغطيات التجمعات الحزبية. سمح ذلك بأن يتابع المغاربة حوارات سياسية بين كل التعبيرات الحزبية، شملت كل قضايا المجتمع، بكل الآراء فيها، العميقة والسطحية، الواقعة في المجرى المغني للمسار الإصلاحي المغربي أو تلك العالقة في هامشه والشاذة أو الشاردة عنه. وقد أتيح حتى “لحزيب متياسر” أن يتحرك في بعض أحياء سكنية لبعض مدن المغرب، منادياً بمقاطعة الانتخابات، وسط تجمهرات حياتية لمواطنين بدا في الصور أنهم أصلاً لاهون عن معارك الانتخابات بمعارك انتزاع القوت اليومي. وتلك المطالبة بمقاطعة الانتخابات تنقض مبررات أصحابها لأنها تؤكد اتساع الفضاء الديمقراطي أمام كل أنواع القول الحزبي، حتى ذلك المعزول، والصادر عن جمعية سياسية متحمسة أساساً لمعاداة الاختيارات والحقوق الوطنية للشعب المغربي، إذ ليست الدولة “المستبدة” هي من يسمح بممارسة ذلك النوع من الشغب الفارغ من أي مفعول سياسي.
هذه الانتخابات “موقعة” أخرى في الجهد الوطني المغربي لتقويم المسار الإصلاحي، ومده بالتغذية الديمقراطية لشدّه إلى مسلك الفعالية، وإلى اتجاه التحقق الديناميكي وتشذيبه من الطفيليات وانتشاله من انجذاباته إلى الانحراف عن خط سيره. وذلك ما يعتري مساراً إصلاحياً في احتكاكاته الفعلية مع الواقع المجتمعي بنتوءاته المصلحية الفئوية، التي تعاند تغليب محاولات الدولة دكّها لفائدة المشترك الوطني المتضمن للمنفعة العامة.
في الحملة الانتخابية سُمع من الكلام ما يفيد سماعه، وما لا يفيد ولا يضر، وما لا يُستحب سماعه وما يُعاف ويُعيب. وجرى ذلك في أجواء من سعار القصف المعادي لعموم المسار الديمقراطي المغربي… قصف من منصات خارجية جزائرية مألوفة أو يمينية إسبانية ممجوجة، ومن أولئك المتنكرين لمغربيتهم في جحور العداء لوطنهم، وطبعاً من بعض مدمني الشعبوية اليائسة والعدمية الجاهلة. قصف يشكك في كل البنية الديمقراطية التي مرّن المغرب نفسه على نموها السليم، تعي نواقصها وكوابحها وانحرافاتها، وتراكم المضي إلى التقدم بلا تبخيس وبلا تقديس وبتمنيع ذاتها من التيئيس.
المغاربة يواصلون مشروعهم الإصلاحي والديمقراطي غير مكترثين بالضجيج الخارجي منخرطين في انتخابات تؤكد رسوخ الثقافة الدستورية وتطور المسار السياسي الوطني
الغبار الذي أثاره اليمين الإسباني من جهة سبتة ضد المغرب ولغايات انتخابية إسبانية خالصة، ذاهب إلى الانقشاع، لتبقى حقيقة العلاقات المغربية-الإسبانية مستمرة على سكتها الاستراتيجية المنتجة، ولما هي مقتنعة بها الدولة الإسبانية العميقة ومنفتحة عليها الدولة المغربية. المغرب قيمة صلبة في العلاقات الخارجية الإسبانية، بكل أبعادها، وغير قابلة للتجاوز لمجرد ضجيج أو صراخ من بعض جيوب أو هوامش صراعات داخلية إسبانية. صراعات أقحمت فيها جهات إسبانية المغرب، وهي نفسها تعرف أن لا محيد عن الحفاظ على سلامة العلاقات المغربية الإسبانية لفائدة إسبانيا اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً. وتعرف أن ما بعد الانتخابات، حكومتهم ستجد أمامها المغرب، كما هو دائماً مفيد لها وصادق معها.
الانتخابات المغربية الجارية تعكس انشغال المغاربة بحاجات تطوير بلدهم، وانصرافهم عن الالتفات للحملات المعادية أو التضليلات الشعبوية. يعيش المغاربة انهماكهم في ملء مؤسساتهم التشريعية والتدبيرية بإرادتهم وبأنفاسهم وبتدافعاتهم السياسية والفكرية. وهم يعرفون أنهم ليسوا بصدد تأثيث جنة كما في التمنيات والتصورات، بل بصدد التفاعل داخل وطن واقعي ملموس تخترقه إرادتهم، وهي تنمو بالممارسة، للنهوض من انْشدادات لأوضاع التأخر. نهوض، حتمي، ضروري وممكن بالوعي الفاعل، حقق الكثير وأمامه الكثير من التحديات. والأهم أن مغرب اليوم تطور عن مغرب الأمس، ومغرب الغد موعود بأن يكون أرقى.
وذلك ما يثق به المغاربة ويكدون من أجله، وذلك أيضا هو ما يثق به السيد بيدرو سانشيز، ويلمسه لدى المغاربة ويهمه أن تستفيد منه إسبانيا. والمغرب يهمه أن يفيد ذاته ومعني بتقاسم الفائدة مع من يأتيه لطلبها، بالاحترام الذي يستحقه وبالتشارك معه في الطموح لإقرار التقدم له ولمن يجاوره.