المدرسة تعود: كلفة التعليم تثقل الأسر العربية

عام دراسي جديد يبدأ وسط ارتفاع أعباء المستلزمات والنقل وتفاوت قدرة الأسر على تحمل كلفة التعليم.
الجمعة 2026/09/11
الوصول إلى تعليم جيد أصبح مرتبطاً بصورة أكبر بالقدرة الاقتصادية للأسرة

القاهرة - تعود المدارس العربية إلى استقبال التلاميذ بعد عطلة الصيف، لكن العودة هذه السنة لا تحمل للأسر موعداً جديداً في الرزنامة التعليمية فحسب، وإنما تعني أيضاً استئناف سلسلة من النفقات التي أصبحت تشكل جزءاً متزايداً من ميزانية الأسرة.

فمن الكتب والدفاتر والملابس والأدوات المدرسية إلى النقل والوجبات والدروس الإضافية، تحولت بداية العام الدراسي إلى موسم إنفاق يفرض نفسه على الأسر في وقت تتفاوت فيه القدرة على مواجهة ارتفاع كلفة المعيشة من بلد عربي إلى آخر. وبينما تحاول الحكومات الحفاظ على مجانية التعليم أو دعمه، تتحمل الأسر جزءاً متزايداً من الكلفة الفعلية للعملية التعليمية.

ولا ترتبط الضغوط بمصاريف التسجيل أو الأدوات المدرسية وحدها. فالنفقات المرتبطة بالمدرسة تمتد طوال العام، وتشمل النقل والأنشطة والملابس والوجبات، إضافة إلى الدروس الخصوصية التي أصبحت بالنسبة إلى كثير من الأسر وسيلة لتعويض ما لا يحصل عليه التلميذ داخل الفصل، أو لمواكبة ارتفاع المنافسة على نتائج الامتحانات.

وتختلف الصورة بحسب النظم التعليمية ومستوى الدخل. ففي الدول التي يعتمد فيها التعليم العمومي بصورة واسعة، تبدو كلفة العودة المدرسية أقل مقارنة بالتعليم الخاص، لكن ذلك لا يعني اختفاء الأعباء. فالأسرة تظل مطالبة بتوفير المستلزمات الأساسية والنقل، وقد تضطر إلى الإنفاق على دروس إضافية أو خدمات تعليمية مساندة. أما في الدول التي ينتشر فيها التعليم الخاص، فإن الرسوم الدراسية نفسها تصبح بنداً رئيسياً في ميزانية الأسرة، إلى جانب بقية النفقات المرتبطة بالعام الدراسي.

وتظهر أهمية هذا التحول في أن التعليم لم يعد منفصلاً عن الضغوط الاقتصادية العامة. فارتفاع أسعار السلع والخدمات ينعكس سريعاً على الأسر مع بداية العام الدراسي، لأن كثيراً من المستلزمات لا يمكن تأجيل شرائها. ويجد الآباء أنفسهم أمام قائمة طويلة من الاحتياجات يتعين توفيرها خلال فترة قصيرة، وهو ما يجعل سبتمبر وأكتوبر من أكثر الأشهر ضغطاً على بعض الميزانيات العائلية.

وفي دول عربية عدة، تحاول الأسر التعامل مع هذه الضغوط من خلال إعادة استخدام الحقائب والملابس المدرسية، أو شراء المستلزمات تدريجياً، أو البحث عن عروض أقل سعراً. كما تنتعش أسواق المستلزمات المستعملة وتبادل الكتب بين العائلات، في مؤشر على أن كلفة التعليم بدأت تدفع بعض الأسر إلى تغيير عاداتها الاستهلاكية.

النفقات المرتبطة بالمدرسة تمتد طوال العام، وتشمل النقل والأنشطة والملابس والوجبات، إضافة إلى الدروس الخصوصية

ولا تتوقف المشكلة عند القدرة على شراء المستلزمات. فالفوارق الاقتصادية بين الأسر يمكن أن تنعكس على تجربة الطفل التعليمية نفسها. الأسرة القادرة على تحمل كلفة الدروس الخصوصية، والأجهزة الرقمية، والنقل المريح، والأنشطة التعليمية الإضافية، تمنح أبناءها هامشاً أوسع للاستفادة من التعليم مقارنة بأسرة تضطر إلى الاقتصار على الحد الأدنى من النفقات.

وهنا يبرز أحد التحديات الأساسية أمام السياسات التعليمية العربية: كيف يمكن الحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص عندما تتفاوت قدرة الأسر على تمويل التعليم خارج المدرسة؟ فالمناهج والخدمات المدرسية قد تكون موحدة نظرياً، لكن الفوارق في الإنفاق العائلي يمكن أن تنتج تفاوتاً في النتائج والفرص.

كما أن ارتفاع كلفة التعليم الخاص يضيف ضغطاً آخر على المدارس العمومية. فبعض الأسر التي كانت قادرة سابقاً على تحمل الرسوم قد تعيد النظر في خياراتها وتبحث عن بدائل أقل كلفة، بينما تجد أسر أخرى نفسها مضطرة إلى إبقاء أبنائها في التعليم الخاص بسبب محدودية الخيارات أو الرغبة في الحفاظ على مستوى تعليمي معين.

وفي المقابل، تواجه المدارس نفسها تحديات مرتبطة بارتفاع كلفة التشغيل والكتب والتجهيزات والنقل والطاقة، وهو ما يجعل ضبط النفقات التعليمية مسألة تتجاوز الأسرة لتشمل المؤسسات والحكومات أيضاً. ولذلك فإن النقاش حول العودة المدرسية لا يمكن اختزاله في أسعار الدفاتر والحقائب، بل يرتبط بالسؤال الأوسع حول قدرة النظام التعليمي على تقديم خدمة جيدة دون نقل جزء متزايد من كلفتها إلى العائلات.

وتكشف العودة المدرسية في النهاية مفارقة واضحة. فالتعليم يظل في معظم الدول العربية حقاً أساسياً وأداة للصعود الاجتماعي، لكن الوصول إلى تعليم جيد أصبح مرتبطاً بصورة أكبر بالقدرة الاقتصادية للأسرة. وكلما اتسعت الفجوة بين ما توفره المدرسة وما تستطيع الأسرة أن تنفقه خارجها، أصبح خطر عدم تكافؤ الفرص أكبر.

لذلك تأتي العودة المدرسية هذا العام باعتبارها أكثر من حدث موسمي. إنها لحظة تكشف علاقة التعليم بالاقتصاد وبالقدرة الشرائية وبالعدالة الاجتماعية. فالمدرسة تفتح أبوابها من جديد أمام ملايين التلاميذ، لكن خلف تلك الأبواب تقف أسر تعيد ترتيب أولوياتها، وتبحث عن الطريقة الأقل كلفة لضمان استمرار أبنائها في التعليم. وبينما تبدو العودة بداية سنة دراسية جديدة، فإنها بالنسبة إلى كثير من العائلات تبدأ أيضاً حساباً طويلاً لكلفة عام كامل من التعليم.