الكردية تدخل المدارس السورية رسميا بعد عقود من المنع

 المصالحة الثقافية حين تواكب السياسة تُنتج استقراراً أعمق من أي اتفاق عسكري أو دستوري منفرد. والعام الدراسي 2026-2027 سيكون الاختبار الأول لهذه الإرادة.
الثلاثاء 2026/09/01
تطبيق منصف

دمشق- في خطوة تاريخية تحمل أبعاداً سياسية وثقافية عميقة، دخلت اللغة الكردية رسمياً إلى النظام التعليمي السوري للمرة الأولى منذ عقود طويلة من التهميش والمنع.

ومع اقتراب العام الدراسي 2026-2027، أصدرت وزارة التربية والتعليم قرارات تنفيذية متتالية استناداً إلى المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في 16 يناير، لتصبح اللغة الكردية مادة تُدرَّس في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق ذات الحضور الكردي الملحوظ.

وهذه الخطوة ليست مجرد تعديل مناهجي؛ إنها تعبير عملي عن محاولة مصالحة ثقافية ترافق المسار السياسي الجديد في سوريا ما بعد نظام الأسد.

ويُعد المرسوم 13 حجر الزاوية. نص على أن المواطنين السوريين الأكراد "جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري"، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.

واعترف باللغة الكردية كلغة وطنية، وسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل فيها الأكراد نسبة ملحوظة من السكان، سواء كمادة اختيارية أو كنشاط ثقافي وتعليمي. كما ألغى القوانين الاستثنائية الناتجة عن إحصاء الحسكة عام 1962، ومنح الجنسية للمقيمين من أصول كردية، واعتمد عيد النوروز (21 مارس) عطلة وطنية رسمية، وحظر التمييز على أساس عرقي أو لغوي.

وجاء التنفيذ تدريجياً. في 26 يناير 2026 أصدرت الوزارة التعليمات التنفيذية الأولى، فكلفت المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية بإعداد مناهج اللغة الكردية لجميع المراحل خلال ستة أشهر، على أن تكتمل الطباعة قبل العام الدراسي الجديد.

وفي البداية حُددت المادة اختيارية بواقع حصتين أسبوعياً، تُسجل علامتها ضمن المجموع دون أن تؤثر في النجاح أو الرسوب. ثم في 27 أغسطس 2026 صدرت تعديلات أوسع، رفعت عدد الحصص إلى ثلاث أسبوعياً للغة الكردية إلى جانب العربية والإنجليزية، مع حصة إضافية للأنشطة، وأدرجت الدرجة ضمن المجموع النهائي.  وصدر القرار  بعد يومين من إعلان القائد العام لـ"قوات سوريا الديموقراطية" مظلوم عبدي حلّها والإدارة الذاتية واندماج مؤسساتهما في الدولة.

وخلال العام الانتقالي الأول أُتيح للطلاب خيار دراسة مواد مثل الدراسات الاجتماعية والتاريخ والجغرافيا والفلسفة بالعربية أو الكردية وفق المناهج المعتمدة.

لا يشمل القرار كل المدارس السورية. يرتبط التطبيق بالمناطق ذات الكثافة الكردية، حيث تقترح مديريات التربية في المحافظات، بالتنسيق مع المحافظين، قائمة المدارس المشمولة، ثم تعتمدها الوزارة وفق معايير سكانية وإمكانات تعليمية.

ويهدف ذلك إلى احترام الواقع الديموغرافي دون فرض عام قد يثير حساسيات في مناطق أخرى. أما الكوادر، فتسعى الوزارة إلى توفير معلمين مؤهلين من داخل الملاك أو خارجه، من حملة الشهادات الجامعية أو معاهد إعداد المدرسين المتقنين للكردية، مع إمكانية الاستعانة بحملة الثانوية عند الضرورة، وإخضاعهم لاختبارات كتابية وشفهية، وتنظيم دورات تدريبية مستمرة.

تاريخياً، عاشت اللغة الكردية عقوداً من التضييق. بعد استقلاله سوريا عام 1946، تفاقمت القيود مع صعود حزب البعث عام 1963، فشملت منع التعليم والنشر والتسمية بأسماء كردية في مراحل معينة، ووصلت إلى سياسات تعريب واسعة خاصة.

تحولت اللغة الأم لآلاف العائلات إلى أمر يُمارس في المنزل فقط، مما أدى إلى فجوة لغوية بين الأجيال.

في شمال شرق سوريا، نجحت الإدارة الذاتية بعد 2011 في بناء نظام تعليمي يعتمد الكردية كلغة أساسية للطلاب الأكراد، إلى جانب العربية والسريانية، فخرجت أجيال تتعلم بلغتها الأم. أما القرار الحالي فيعترف بهذه الهوية ضمن إطار الدولة المركزية الموحدة، ويحاول دمجها بدلاً من تجاهلها.

تحمل الخطوة دلالات مصالحة. سياسياً، تأتي في سياق المفاوضات والتفاهمات بين دمشق والقوى الكردية في الشمال الشرقي بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024. الاعتراف الثقافي يُسهّل الاندماج المدني والمؤسسي، ويعزز الثقة بأن الدولة الجديدة لا تكرر أخطاء الماضي في التعامل مع المكونات.

ثقافياً، يحمي التنوع اللغوي كمصدر ثراء للهوية السورية، لا كتهديد لها. تعليم اللغة الأم يُحسّن النتائج التعليمية عموماً، ويقلل من الشعور بالاغتراب لدى الطلاب الأكراد، ويساهم في بناء جيل يرى نفسه سورياً وكردياً في آن واحد دون تناقض.

ومع ذلك، ليست الطريق مفروشة بالورود. أبرز التحديات تكمن في إعداد المناهج: يجب أن تكون علمية، متدرجة، تربط اللغة بالثقافة والتاريخ دون أن تتحول إلى أداة انفصالية أو إقصائية. توفير آلاف المعلمين المؤهلين في وقت قصير صعب، خاصة مع اختلاف اللهجات الكردية (الكورمانجية السائدة في سوريا أساساً). وقد يثير تحديد "النسبة الملحوظة" من السكان نقاشات محلية حول الحدود الجغرافية للتطبيق. كما أن بعض الأصوات الكردية تطالب بوضع أوسع، كلغة رسمية أو لغة تعليم أساسية في مناطقها، بينما يرى آخرون أن الاعتراف الوطني والحصص الثلاث خطوة عملية كافية في مرحلة انتقالية هشة.

يُذكر أن وزير التربية محمد عبد الرحمن تركو (كردي) لعب دوراً بارزاً في صياغة القرارات، مما يعطي إشارة رمزية إلى مشاركة المكون في صنع السياسات.

وتؤكد الوزارة أن الهدف صون الحقوق الثقافية وتعزيز الوحدة الوطنية ضمن هوية حضارية سورية جامعة.

وإذا نجحت الوزارة في التنفيذ الجيد – مناهج رصينة، معلمون مدربون، تطبيق منصف – فقد تصبح هذه الخطوة أساساً لنموذج تعليمي يعترف بالتعددية دون أن يفتت الوحدة. أما إذا تعثرت بسبب نقص الموارد أو التجاذبات السياسية، فقد تتحول إلى مجرد إجراء شكلي يُعمق الشكوك.