القطاع الخاص مفتاح العراق لتغيير معادلة الاقتصاد الريعي
يتطلع العراق إلى تقليص اعتماده على النفط عبر خطة اقتصادية طموحة تمتد لعشر سنوات، من خلال الرهان على تنويع مصادر الإيرادات وتعزيز دور القطاع الخاص في التنمية، في محاولة لإعادة تشكيل هيكل الاقتصاد وتحقيق نمو أكثر استدامة.
بغداد- تسعى الحكومة العراقية إلى إحداث تحول هيكلي في اقتصاد البلاد الذي ظل لعقود يعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات النفط، من خلال خطة طويلة الأجل ترى بغداد أنها ضرورية لتحقيق الاستقرار المالي والتنمية الشاملة في سياق الإصلاحات.
ورغم ما وفرته الطفرة النفطية من موارد مالية ضخمة، فإنها كرست نموذج الاقتصاد الريعي الذي يعتمد على مورد واحد شديد التقلب، وهو ما جعل الاقتصاد العراقي عرضة للصدمات مع كل انخفاض في أسعار النفط أو اضطراب في الأسواق العالمية.
وقد زادت الحروب والعقوبات الدولية وعدم الاستقرار الأمني بعد الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 من صعوبة بناء قاعدة إنتاجية متنوعة قادرة على تقليل الاعتماد على الخام.
واليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود من هيمنة النفط على مفاصل الاقتصاد، تحاول بغداد رسم مسار مختلف على الرغم من التحديات التي تعترضها.
ويرى المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح أن السياسة المالية خلال العقد المقبل تستند إلى مسار تخطيطي يركز على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة.
وأشار إلى أن ذلك سيتم عبر إعادة هيكلة النفقات والإيرادات العامة، بما يسهم في إعادة هيكلة الاقتصاد الحقيقي على المستوى الكلي.
ونسبت وكالة الأنباء العراقية الرسمية إلى صالح قوله إن “الحكومة تستهدف رفع الإيرادات غير النفطية إلى نحو 46 في المئة من إجمالي الإيرادات العامة خلال العقد المقبل، مقارنة بنسبة لا تتجاوز 10 في المئة حاليا.”
ويأتي هذا التوجه في وقت لا يزال فيه النفط يشكل العمود الفقري للاقتصاد، إذ تعتمد الموازنة العامة بصورة كبيرة على عائدات تصدير الخام التي تمثل أكثر من 90 في المئة من الإيرادات الحكومية في معظم السنوات.
ويرى خبراء أن هذا النموذج جعل الاقتصاد العراقي شديد التأثر بتقلبات أسعار النفط العالمية، إذ انعكس كل تراجع في الأسعار خلال السنوات الماضية على قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق العام.
وقد برز ذلك بوضوح خلال أزمتي انخفاض أسعار النفط في عامي 2014 و2020، عندما واجهت المالية العامة ضغوطًا كبيرة.
ويحمل إعلان الحكومة أهمية لأنه يعكس تحولا في فلسفة إدارة الاقتصاد، من نموذج يعتمد على الدولة والإنفاق الحكومي إلى نموذج يمنح القطاع الخاص دورا أكبر في الاستثمار والإنتاج والتشغيل، بما يتماشى مع برامج الإصلاح التي تبنتها بغداد منذ سنوات.
وأكد صالح أن تنويع الإيرادات العامة وتقليل الأعباء التي يفرضها الاقتصاد الريعي يسيران جنبًا إلى جنب مع توسيع مساهمة القطاع الخاص.
وشدد على أن زيادة نشاط الشركات الخاصة ستسهم في تنويع الاقتصاد، ورفع معدلات الاستثمار والإنتاج، وتوفير فرص عمل جديدة.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن مساهمة القطاع الخاص تبلغ حاليا قرابة 37 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تستهدف الخطة زيادتها إلى 54 في المئة خلال السنوات العشر المقبلة.
ويعني ذلك انتقال القطاع الخاص إلى موقع أكثر تأثيرًا في قيادة النشاط الاقتصادي، بعد سنوات طويلة هيمن خلالها القطاع العام على معظم مفاصل الاقتصاد.
وتستهدف الحكومة زيادة مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى، مثل الصناعة والزراعة، في الناتج المحلي الإجمالي من خلال توسيع قاعدة الاستثمار وتنفيذ مشاريع إستراتيجية ذات أثر مباشر في التنمية المحلية.
54
في المئة المساهمة المستهدفة للقطاع الخاص في الاقتصاد خلال العقد المقبل، من 37 في المئة
وإلى جانب ذلك تعزيز القيمة المضافة التي ينتجها أصحاب الأعمال الخاصة بصورة تدريجية، بما يدعم تنويع هيكل الناتج المحلي ويعزز استدامة النمو.
كما تضع الخطة الحكومية سوق العمل ضمن أولوياتها، إذ تستهدف خفض معدل البطالة إلى نحو 3 في المئة من إجمالي قوة العمل خلال العقد المقبل، مقارنة بالمعدل الحالي البالغ نحو 13 في المئة.
ويعتمد تحقيق هذا الهدف بصورة رئيسية على قدرة القطاع الخاص على استحداث وظائف جديدة، في ظل محدودية قدرة القطاع العام على مواصلة التوسع في التوظيف.
ويتطلب تحصيل النتائج المرجوة تنفيذ إصلاحات واسعة لتحسين بيئة الأعمال، تشمل تطوير القطاع المصرفي وتبسيط الإجراءات الإدارية وتعزيز قوانين الاستثمار ورفع كفاءة البنية التحتية، وإصلاح النظام الضريبي بما يوسع قاعدة الإيرادات غير النفطية.
وتنسجم هذه التوجهات مع مساعي العراق لتقليل تعرض اقتصاده لتقلبات أسواق الطاقة العالمية، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة عالميا، والاتجاه المتزايد نحو مصادر منخفضة الانبعاثات، ما يدفع الدول المنتجة إلى تسريع برامج تنويع اقتصاداتها.
وتقوم الفلسفة الاقتصادية التي تستند إليها الخطة، بحسب صالح، على الشراكة الفاعلة بين الدولة والسوق، بما يضمن تكامل الدورين العام والخاص في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.
ورغم طموح الأهداف الحكومية، فإن تحقيقها سيعتمد على قدرة العراق على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية اللازمة، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، وتحسين مناخ الأعمال.
ويفترض أن يسمح هذا المسار الشاق للقطاع الخاص بأن يصبح المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي في السنوات المقبلة، ويقلل تدريجيًا من هيمنة النفط على المالية العامة والاقتصاد.