الفوسفات أولًا.. تركيا ترسم خريطة مصالحها في ثروات سوريا الاستراتيجية

أنقرة وسوريا.. شراكة الإعمار تفتح باب المنافسة على النفط والغاز والفوسفات
الأربعاء 2026/08/19
تركيا تتوسع بقطاع الطاقة السوري

دمشق – لا تبدو مذكرة التفاهم التي وقعتها تركيا وسوريا في مجال الفوسفات مجرد اتفاق اقتصادي محدود، بقدر ما تكشف عن ملامح أوسع للشراكة التي تريد أنقرة بناءها مع دمشق في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد.

فالفوسفات قد يكون المدخل، لكن قائمة المصالح التركية المقترحة في سوريا تمتد إلى الحديد والنفط والغاز والكهرباء والطاقة الحرارية الأرضية، إضافة إلى البنية التحتية اللازمة لنقل هذه الموارد وتخزينها وتصديرها.

وهكذا تتحول إعادة إعمار سوريا تدريجيًا إلى مساحة لتشكيل نفوذ اقتصادي طويل الأجل، بالتوازي مع الدور السياسي والأمني الذي لعبته تركيا في دعم الحكومة السورية بقيادة أحمد الشرع.

وتكتسب مذكرة التفاهم التي وقعت في دمشق الأربعاء أهمية خاصة لأنها لا تكتفي بالتعاون في إنتاج الفوسفات وتطوير حقوله، وإنما تفتح الباب أمام إنشاء بنية تحتية مرتبطة به، بما في ذلك خط سكة حديد لنقله إلى الموانئ.

وقال وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار إن البلدين يستهدفان الانتقال مستقبلًا إلى اتفاق تجاري يشمل إنتاج الفوسفات وتطوير الحقول وإنشاء خط للسكك الحديدية لنقل الخام إلى الموانئ. وهنا تتجاوز المسألة حدود استخراج مادة معدنية.

فمن يشارك في استخراج المورد، ويمتلك القدرة على نقله وتخزينه والوصول به إلى الأسواق، لا يحصل فقط على عائد اقتصادي، وإنما يكتسب موقعًا داخل سلسلة القيمة الاستراتيجية للبلد المنتج. وتدرك تركيا أهمية هذه المعادلة جيدًا.

فأنقرة لا تنظر إلى سوريا بوصفها سوقًا لإعادة الإعمار فقط، وإنما باعتبارها دولة تمتلك موارد يمكن أن تساعد في بناء علاقة اقتصادية متشابكة تمتد لسنوات. ولذلك جاء الحديث التركي عن الفوسفات مترافقًا مع عرض أوسع للتعاون في الحديد والنفط والغاز والكهرباء والطاقة الحرارية الأرضية.

وفي مجال الحديد، تحدث بيرقدار عن استعداد تركيا للعمل في مناجم محيطة بحلب، فيما قال وزير الطاقة السوري محمد البشير إن عينات أخذت من مناطق في ريف حلب تمهيدًا للتعاون في هذا المجال.

لكن النفط والغاز يمثلان الجزء الأكثر حساسية في هذه الشراكة. فبيرقدار أعلن استعداد شركة البترول التركية للعمل في الحقول البحرية السورية، وكذلك في الحقول البرية التي يجري فيها الإنتاج حاليًا أو التي يمكن زيادة إنتاجها أو اكتشاف حقول جديدة فيها.

وهذا يعني أن أنقرة لا تريد أن تكون مجرد مقاول في عملية إعادة الإعمار، وإنما لاعبًا في قطاع الطاقة السوري نفسه.

وقال الوزير التركي إن شركة البترول التركية، التي وسعت نشاطها خارج البلاد في السنوات الأخيرة، ترغب في نقل تجربتها إلى سوريا، عبر إجراء دراسات مسح زلزالي ثم عمليات حفر، والعمل من خلال شراكات مع شركات مختلفة.

وتحمل هذه الخطط بعدًا جيوسياسيًا يتجاوز قيمة الموارد السورية ذاتها. فسوريا تقع في موقع جغرافي حساس بين شرق المتوسط والعراق وتركيا ولبنان والأردن، ويمكن أن تصبح في حال استقرارها جزءًا من شبكات إقليمية جديدة لنقل الطاقة. ولهذا فإن الاستثمار في النفط والغاز السوري لا يتعلق فقط بالإنتاج، وإنما أيضًا بمستقبل طرق النقل وخطوط الأنابيب وممرات الطاقة في المنطقة.

وهنا تحديدًا تبرز عبارة بيرقدار بشأن قدرة تركيا وسوريا على توفير فرص للعالم في مسارات عبور النفط والغاز الطبيعي، خصوصًا في ظل أزمة الطاقة العالمية.

الفوسفات قد يكون المدخل، لكن قائمة المصالح التركية في سوريا تمتد إلى الحديد والنفط والغاز والكهرباء والطاقة الحرارية الأرضية والبنية التحتية

وتنظر أنقرة منذ سنوات إلى موقعها الجغرافي باعتباره أصلًا استراتيجيًا يمكن تحويله إلى مركز للطاقة. وسوريا، إذا استعادت قدرًا كافيًا من الاستقرار، يمكن أن تضيف مسارًا جديدًا إلى هذه المعادلة.

لكن تركيا تحتاج أولًا إلى إعادة بناء البنية التحتية السورية التي تضررت بشدة خلال سنوات الحرب. ولهذا جاء ملف الكهرباء في صدارة التعاون.

وقال بيرقدار إن تركيا ترفع إمدادات الكهرباء إلى سوريا تدريجيًا، وإن تشغيل خط «بيرجيك–حلب» خلال الأسابيع المقبلة سيرفع صادرات الكهرباء التركية إلى سوريا إلى نحو 800–900 ميغاواط.

قد يبدو الأمر في ظاهره مساعدة لسوريا التي تعاني أزمة كهرباء حادة، لكنه في الوقت نفسه يضع تركيا في قلب البنية التحتية للطاقة السورية. فالدولة التي تساعد في إنتاج الكهرباء ونقلها وتوفير المعدات والخبرات، تصبح شريكًا طبيعيًا في إعادة بناء القطاع، كما تفتح أمام شركاتها فرصًا طويلة الأجل في السوق السورية. والأمر نفسه ينطبق على خطوط الأنابيب والمستودعات والخزانات.

وقال بيرقدار إن لدى تركيا خبرة كبيرة في إنشاء هذه البنية، وإن الشركات التركية تستطيع تنفيذ المشاريع بسرعة. وهذه ليست إشارة فنية فقط، بل تكشف عن نموذج اقتصادي واضح: المشاركة في إعادة الإعمار من بوابة البنية التحتية، ثم الانتقال إلى قطاعات الإنتاج والاستخراج.

وتدخل الطاقة الحرارية الأرضية في السياق نفسه. فتركيا تمتلك خبرة واسعة في هذا القطاع، فيما ترى أن لدى سوريا إمكانات يمكن تطويرها. وأشار بيرقدار إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع يولي هذا الملف أهمية، مؤكدًا رغبة بلاده في نقل خبراتها إلى سوريا.

وهكذا تتشكل أمام دمشق حزمة تركية متكاملة: كهرباء اليوم، وبنية تحتية غدًا، وتعدين ونفط وغاز على المدى الأطول. لكن هذه الشراكة تطرح في الوقت نفسه سؤالًا سياسيًا مهمًا: ماذا تحصل تركيا في المقابل؟

الإجابة لا تتعلق فقط بالعقود والاستثمارات.

كانت تركيا من أبرز القوى التي دعمت المعارضة السورية خلال سنوات الحرب، وكانت من أكثر الدول انخراطًا في الملف السوري. ومع وصول حكومة جديدة إلى دمشق، أصبح بإمكان أنقرة تحويل جزء من نفوذها السياسي والأمني المتراكم إلى نفوذ اقتصادي ومؤسساتي.

وهذا لا يعني بالضرورة أن العلاقة بين أنقرة ودمشق تقوم على مقايضة مباشرة بين الدعم السياسي والثروات السورية، لكن من الواضح أن المصالح الاقتصادية أصبحت جزءًا أساسيًا من الشراكة الجديدة.

بالنسبة إلى الحكومة السورية، تحتاج البلاد إلى كل ما يمكن أن يساعدها على استعادة الإنتاج وإعادة بناء البنية التحتية وجذب الاستثمارات. وبالنسبة إلى تركيا، تمثل سوريا سوقًا ضخمة قريبة من حدودها، ومصدرًا محتملًا للموارد، وممرًا جغرافيًا يمكن أن يعزز موقعها في تجارة الطاقة الإقليمية.

لكن نجاح هذه المعادلة سيبقى مرتبطًا بعامل واحد: الاستقرار.

فالاستثمارات في النفط والغاز والتعدين وخطوط السكك الحديدية تحتاج إلى أفق زمني طويل، ولا يمكن أن تقوم على بيئة أمنية وسياسية متقلبة. كما أن تطوير الموارد السورية يحتاج إلى عقود واضحة، وبيئة قانونية مستقرة، وضمانات للاستثمار، وتوافق بين دمشق والقوى الإقليمية والدولية المعنية بمستقبل البلاد.

ولهذا فإن تركيا لا تستثمر فقط في الموارد السورية، وإنما تستثمر أيضًا في استقرار الدولة السورية الجديدة.

وكلما زادت الشركات التركية ارتباطًا بالكهرباء والتعدين والنفط والغاز والبنية التحتية، أصبح لأنقرة مصلحة أكبر في استمرار الاستقرار السياسي والأمني في سوريا.