الفرصة الأخيرة… الخليج يفتح أمام إيران طريق الاندماج الإقليمي
لم تترك الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران موازين القوى على حالها، حتى وإن حاولت طهران إقناع الداخل بأنها خرجت منتصرة. فالانتصار الحقيقي لا يقاس بحجم الخطاب التعبوي ولا بعدد الصواريخ التي أطلقت، وإنما بما تتركه الحرب من نتائج سياسية واقتصادية واستراتيجية. ومن هذه الزاوية تبدو الصورة مختلفة تماما؛ إذ خرج الخليج أكثر ثقة بنفسه، بينما خرجت إيران أكثر حاجة إلى محيطها الإقليمي.
وليس من الصعب فهم أسباب الإصرار الإيراني على تسويق رواية النصر. فالنظام يحتاج إلى الحفاظ على تماسك جبهته الداخلية ومنع الإيرانيين من مساءلة السلطة عن الكلفة الباهظة للمواجهة. كما يحتاج إلى تهيئة الرأي العام لتسوية تبدو اليوم أقرب من أي وقت مضى، سواء عبر العودة إلى التفاوض مع واشنطن أو القبول بترتيبات جديدة بشأن البرنامج النووي، مقابل الإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة وتخفيف العقوبات التي تخنق الاقتصاد.
الآن هدأت الشعارات والمزايدات والتفت الإيرانيون إلى الوضع المعقد خاصة بعد أن وضعوا اليد في اليد مع إدارة دونالد ترامب وتولوا إلى اتفاق يجبنهم الحصار. حانت لحظة الوعي بالواقع.
ما وراء الصورة الدعائية أن إيران مجبرة على النزول إلى الأرض والأخذ في الاعتبار حجم ما خسرته من أجل الاندماج في المحيط الإقليمي وخاصة بناء علاقات تجارية واقتصادية مع الخليج تقول على تبادل المصالح.
لا يمكن أن تحظى إيران بتعاون مع الخليج دون أن تتغير، ليس فقط على مستوى الخطاب الدعائي الذي تطلقه دوائر نفوذ إيرانية ضد الخليج، ولكن وهو الأمر على مستوى السلوك من خلال تعهدات جدية بعدم استهداف أمن دول الخليج، والسماح بعودة مضيق هرمز إلى سالف نشاطه كممر دولي ليس لأحد السيطرة عليه.
الحرب لم تضعف الخليج كما كانت تراهن بعض دوائر القرار في طهران بل جعلته أكثر حضورا في معادلات الأمن الإقليمي وأكثر قدرة على فرض شروطه
لكن السياسة لا تعترف بالروايات الدعائية. وما تفرضه الوقائع أن إيران تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد لم يعد يسمح لها بإدارة علاقاتها مع الخليج بالذهنية نفسها التي حكمتها طوال العقود الماضية. فالحرب لم تضعف الخليج كما كانت تراهن بعض دوائر القرار في طهران، بل جعلته أكثر حضورا في معادلات الأمن الإقليمي وأكثر قدرة على فرض شروطه السياسية.
لقد تغيرت المعادلة. في السابق كانت دول الخليج منشغلة بكيفية احتواء التهديد الإيراني. أما اليوم فإن إيران هي التي تبحث عن مخرج من أزمتها عبر بوابة الخليج. وهذا التحول لا يتعلق فقط بتوازنات القوة العسكرية، وإنما بموازين الاقتصاد أيضا. فإيران لا تستطيع العودة إلى النمو وهي محاصرة بالعقوبات، ولا تستطيع جذب الاستثمارات أو استعادة ثقة الأسواق إذا بقيت المنطقة تعيش على إيقاع التصعيد الدائم.
من هنا يمكن فهم النشاط الدبلوماسي الذي يقوده وزير الخارجية عباس عراقجي باتجاه العواصم الخليجية. فهذه الاتصالات لا تعكس مجرد رغبة في تخفيف التوتر، بل تكشف حاجة إيرانية متزايدة إلى إعادة بناء الثقة مع الجوار العربي، لأن أي انفراج اقتصادي حقيقي لن يتحقق من دون دور خليجي مباشر أو غير مباشر. وتظهر دول الخليج رغبة في التجاوز وإعادة بناء الثقة، من ذلك إعلان الإمارات وقطر عن استئناف التجارة مع إيران، بانتظار أن يظهر الإيرانيون تفاعلا إيجابيا من جانبهم على أرض الواقع.
وسيكون ملف الأموال الإيرانية المجمدة أول اختبار لهذه المرحلة. فالأموال التي يرجح الإفراج عن جزء منها عبر قنوات مالية في قطر والإمارات لن تكون مجرد تحويلات مصرفية، بل ستكون اختبارا سياسيا بامتياز. فالولايات المتحدة لن تسلم هذه الأموال لإيران من دون ترتيبات دقيقة، ودول الخليج لن تتحول إلى ممر مالي إلا إذا اطمأنت إلى أن طهران تتجه فعلا نحو سلوك مختلف، لا إلى هدنة مؤقتة يعقبها تصعيد جديد.
وإذا نجحت هذه الخطوة، فقد تفتح الباب أمام مرحلة أوسع من التعاون الاقتصادي، وربما أمام استثمارات خليجية في السوق الإيرانية. لكن هنا أيضا تبدو بعض التصورات الإيرانية أقرب إلى الأمنيات منها إلى الواقع. فالاستثمار ليس مكافأة سياسية، ولا تعويضا عن الخسائر التي خلفتها الحرب، بل هو علاقة مصالح متبادلة تقوم على الاستقرار والشفافية وسيادة القانون.
ولا يمكن لأي مستثمر أن يغامر بأمواله في اقتصاد تهيمن عليه المؤسسات العسكرية وشبكات النفوذ، أو في بيئة يمكن أن تعود فيها العقوبات أو الضربات العسكرية في أي لحظة. كما أن الاقتصاد المنفتح يحتاج إلى خطاب سياسي مختلف؛ خطاب يعترف بالشراكة لا بالوصاية، وبالتكامل لا بالتفوق الأيديولوجي، وبالمصالح المشتركة لا بشعارات “تصدير الثورة” أو تقسيم المنطقة إلى محاور منتصرة وأخرى مهزومة.
والأهم من ذلك أن على إيران أن تدرك أن أمن الخليج لم يعد ورقة تفاوض، وأن مضيق هرمز لم يعد قابلا لأن يبقى رهينة التهديد كلما دخلت العلاقة مع الغرب مرحلة توتر. فحرية الملاحة أصبحت مصلحة دولية وخليجية في آن واحد، وأي محاولة لإعادة استخدام هذا الملف كورقة ضغط ستعني العودة إلى نقطة الصفر.
ولعل الرسالة الإماراتية الأخيرة إلى طهران تلخص هذا التحول بدقة. فقد تحدث وزير الخارجية الشيخ عبدالله بن زايد مع نظيره الإيراني عباس عراقجي بلغة واضحة لا لبس فيها، داعيا إلى الالتزام الكامل بأي اتفاق مع الولايات المتحدة، واحترام سيادة الدول، وحماية الممرات البحرية، وضمان انسيابية الملاحة في مضيق هرمز. لم يكن ذلك خطاب دولة تشعر بالقلق، بل خطاب دولة تعرف ما تريد، وتدرك أن استقرار المنطقة أصبح جزءا من مصالحها الاستراتيجية، وليس مجرد مطلب أمني عابر.
إيران مجبرة على النزول إلى الأرض والأخذ في الاعتبار حجم ما خسرته من أجل الاندماج في المحيط الإقليمي وبناء علاقات تجارية واقتصادية مع الخليج
هذه اللغة السياسية تعكس تحولا أعمق في المزاج الخليجي. فدول الخليج لم تعد تكتفي بردود الفعل، بل أصبحت طرفا مؤثرا في رسم قواعد الأمن الإقليمي. وهي لذلك لن تمنح إيران ما تحتاجه اقتصاديا قبل أن تحصل على ما تحتاجه أمنيا وسياسيا. وهذا لا يعني فرض إملاءات على طهران، بقدر ما يعني أن أي علاقة جديدة يجب أن تقوم على قواعد واضحة من الاحترام المتبادل وعدم التدخل وحسن الجوار.
يراهن الخليجيون، وكذلك إدارة ترامب، على أن الدولة التي تستعيد قدرتها على الوصول إلى الاستثمارات والأسواق والتمويل الدولي تصبح أقل ميلاً إلى المغامرات العسكرية وأكثر اهتماماً بتحسين أوضاعها الداخلية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
أما إيران، فإن استمرارها في الرهان على الخطاب التعبوي سيجعلها تدور في الحلقة نفسها. فحتى لو تمكنت من إعادة بناء جزء من قدراتها العسكرية، فإن أي مواجهة جديدة بعد عام أو عامين ستكون كافية لإعادة الاقتصاد إلى نقطة الصفر، وإجهاض أي محاولة للخروج من العقوبات. والمجتمع الإيراني، الذي تحمل سنوات طويلة من الضغوط المعيشية، لن يقبل إلى ما لا نهاية بتأجيل التنمية باسم الحرب والمؤامرة.
لهذا يبدو أن الحرب الأخيرة لم تغير ميزان القوة العسكري فحسب، بل غيرت أيضا اتجاه الحاجة. فبعد أن كان الخليج يبحث عن وسائل لحماية نفسه من إيران، أصبحت إيران تبحث عن طريق يعيدها إلى الاقتصاد العالمي عبر الخليج. وبين الحاجتين مسافة سياسية كبيرة، لن تختصرها التصريحات ولا رسائل الطمأنة، وإنما يختصرها تغيير حقيقي في السلوك. قد تكون هذه هي الفرصة الأخيرة أمام إيران للاندماج في محيطها.
ما بعد الحرب ليس كما قبلها. والخليج الذي خرج أكثر تماسكا وثقة لن يعود إلى سياسة شراء الهدوء. أما إيران، فإنها تملك فرصة لإعادة بناء علاقتها بجوارها، لكن هذه الفرصة لن تستمر إلى الأبد، لأنها مشروطة بالتخلي عن منطق إدارة النفوذ بالقوة، والانتقال إلى منطق الشراكة بالمصالح. وفي الشرق الأوسط الجديد، يبدو أن الاقتصاد أصبح أقوى من الأيديولوجيا، وأن الاستثمار بات أكثر تأثيرا من الصواريخ.