العمل الدولية: الوظائف تحت ضغط اتساع دور الذكاء الاصطناعي
الرياض- يشهد سوق العمل العالمي تحولات متسارعة مع اتساع دور الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، وهو ما يضع ملايين الوظائف أمام تحديات غير مسبوقة.
وانضمت منظمة العمل الدولية إلى قافلة المحذرين من تداعيات هذه التحولات على طبيعة العمل ومستقبله، خاصة في ظل الاعتماد على التقنيات المتقدمة في الكثير من الأعمال ولاسيما تلك المرتبطة بالصناعة.
كما أكدت أن غياب السياسات الملائمة لاحتواء هذا الوضع الجديد قد يزيد الضغوط على العمال ويعمّق فجوات عدم المساواة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى إدارة هذا التحول التكنولوجي بشكل عادل ومتوازن.
وناقشت جلسة حوارية، ضمن أعمال اليوم الثاني من المؤتمر الدولي لسوق العمل 2026 في نسخته الثالثة، والذي اختتم فعالياته الأربعاء في العاصمة السعودية الرياض، رؤية منظمة العمل الدولية لحوكمة الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي في عالم العمل.
◄ مهارات التواصل والقدرات التفاعلية وحل المشكلات ستظل من المهارات الجوهرية في عصر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المهارات التقنية
واستعرض المدير العام للمنظمة جيلبرت هونغبو محاور الشمولية وتفاوت مستويات التعرّض وأهمية الاستثمار في المهارات والحوار الاجتماعي.
وأكَّد أهمية تبنّي سياسات شاملة تراعي اختلاف مستويات الجاهزية بين الدول وأن “الحوار الاجتماعي يظل عنصرًا أساسيًا في هذه المرحلة”.
ومع ذلك أبدى قلقه من اتساع الفجوة التكنولوجية بين الدول مرتفعة الدخل والدول منخفضة الدخل، وكذلك داخل الدولة الواحدة بين المناطق المختلفة، محذرًا من أن هذا التفاوت قد يؤدي إلى تعميق أوجه عدم المساواة في أسواق العمل.
وشدّد على أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي النظر إليه فقط من زاوية المخاطر، مشيرًا إلى قدرته على توسيع نطاق الشمول، بما في ذلك تمكين أدوات مثل تحويل الكلام إلى نص، ودعم مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل.
وتظهر بيانات المنظمة أن وظيفة واحدة من كل أربع وظائف معرّضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي، فيما تُصنَّف نسبة 3.3 في المئة من الوظائف على أنها شديدة التعرّض لهذه التكنولوجيا.
وتبرز بعض القطاعات التي تُعد أكثر هشاشة من غيرها في مسألة التأثر بالتقنيات المتقدمة، لاسيما الوظائف المرتبطة بالأعمال المكتبية والمهنية.
ويقدر صندوق النقد الدولي أن نحو 60 في المئة من الوظائف في الدول المتقدمة ستتأثر بالذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة من خلال التعزيز أو التحول أو الإلغاء الكامل، مقارنة بنحو 40 في المئة على المستوى العالمي.
وأظهر مسح أجرته رويترز إبسوس في أغسطس الماضي أن 71 في المئة قلقون من أن الذكاء الاصطناعي “سيُؤدي إلى فقدان الكثير من الناس لوظائفهم بشكل دائم”.
جيلبرت هونغبو: الحوار الاجتماعي يظل عنصرًا أساسيًا في هذه المرحلة
ويُمثل الذكاء الاصطناعي أكبر ثورة تكنولوجية يشهدها العالم منذ ظهور الإنترنت قبل ربع قرن. وقد جلب استثمارات تريليونية ومكاسب مذهلة في سوق الأسهم، ولكنه جلب أيضًا نقصًا في شرائح الذاكرة وتدقيقًا تنظيميًا وقلقًا متزايدًا بشأن فقدان الوظائف.
وسلّط هونغبو في الجلسة الضوء على أبعاد التعرّض للذكاء الاصطناعي، موضحًا أن النساء ممثَّلات بنسبة أعلى في المهن الإدارية، ما يزيد من مستوى التعرّض، وأشار إلى أن النساء في المناطق العربية يتعرّضن للتأثّر بمعدل يفوق الرجال بثلاثة أضعاف.
وعلى الرغم من أن الجهود لرفع المهارات وإعادة التأهيل المهني تشهد تقدمًا، إلا أن الحاجة لا تزال قائمة لزيادة التفكير في اعتماد سياسات محكمة تراعي التحولات الراهنة.
ودعا رئيس المنظمة الحكومات إلى زيادة الاستثمارات في برامج تعزيز المهارات وإعادة التأهيل لدعم تكيّف القوى العاملة مع التحوّلات التقنية.
وقال إن “مهارات التواصل والقدرات التفاعلية وحل المشكلات ستظل من المهارات الجوهرية في عصر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المهارات التقنية”.
وتقوم منظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال بدور محوري في تشكيل انتقال رقمي مستدام، بما يضمن عدم تهميش العاملين، ويدعم استفادة المنشآت الصغيرة والمتوسطة من تطورات الذكاء الاصطناعي.
وتشهد منظمة العمل الدولية تزايدًا في طلبات الدول الأعضاء للحصول على إرشادات بشأن توظيف الذكاء الاصطناعي، حيث يأتي الاهتمام باستخدامه لدعم أهداف الحد من الفقر، وتدريب الشباب المنضمين إلى سوق العمل.
وشدد هونغبو على أهمية المرونة وتكامل السياسات، إلى جانب الاستثمار المستدام في البنية التحتية التقنية، لضمان عدم تخلّف أي دولة عن ركب التحول الرقمي.
وفي ختام الجلسة أكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في تحسين التوازن بين الحياة المهنية والحياة الشخصية، داعيًا جميع أصحاب المصلحة إلى التركيز على تعزيز هذه الفوائد بما يخدم الإنسان والعمل معًا.