العراق يسترد أكثر من مليار دولار.. حملة مكافحة الفساد تتسع

الحكومة تراهن على إغلاق الثغرات الإدارية لمنع تكرار التجاوزات
الأحد 2026/08/30
سقف انتظارات عال

بغداد- أعلنت الحكومة العراقية استرداد أموال وأصول وعقارات تتجاوز قيمتها مليار دولار، في أحدث حصيلة لحملة «صولة الفجر» التي أطلقتها لملاحقة الفساد المالي والإداري واستعادة الأموال العامة، بالتزامن مع تلقي هيئة النزاهة أكثر من 26 ألف بلاغ عن قضايا فساد.

وقال المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي إن قيمة الأموال والأصول والعقارات التي جرى استردادها في إطار حملة مكافحة الفساد تجاوزت تريليونًا و359 مليار دينار عراقي، أي ما يعادل أكثر من 1.032 مليار دولار، مشيرًا إلى أن الحملة مستمرة في ملاحقة المتورطين واسترداد الأموال العامة.

وأضاف العبودي أن هيئة النزاهة تلقت أكثر من 26 ألف بلاغ عن قضايا فساد، في مؤشر على اتساع نطاق الملفات التي باتت أمام الأجهزة الحكومية والقضائية، في وقت تسعى فيه بغداد إلى تحويل مكافحة الفساد من إجراءات محدودة إلى حملة واسعة تستهدف ما تصفه الحكومة بشبكات متداخلة من المال والإدارة والنفوذ.

وتأتي هذه الأرقام في إطار حملة «صولة الفجر» التي أطلقتها الحكومة في 28 يونيو الماضي، بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى، بهدف ملاحقة المتورطين في قضايا الفساد المالي والإداري واسترداد الأموال العامة والأصول التي جرى الحصول عليها بصورة غير قانونية.

ومنذ إطلاق الحملة، اتخذت السلطات العراقية إجراءات بحق عشرات المسؤولين والنواب الحاليين والسابقين ورجال أعمال، بينهم شخصيات مرتبطة بقطاع النفط، كما نفذت مداهمات في بغداد وعدد من المحافظات، أسفرت عن ضبط أموال وعقارات وأصول مرتبطة بملفات فساد.

وتعكس الحملة محاولة من الحكومة لإظهار أن مكافحة الفساد لم تعد تقتصر على كشف المخالفات أو إحالة الملفات إلى القضاء، وإنما أصبحت تستهدف أيضًا استعادة الأموال والأصول التي يُشتبه في ارتباطها بعمليات فساد.

الإعلان عن استرداد أكثر من مليار دولار يشكل دفعة سياسية للحكومة العراقية، خصوصًا في ظل الضغوط المستمرة لتحسين إدارة المال العام وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات. لكن الأرقام الكبيرة، في المقابل، تطرح سؤالًا حول حجم الأموال التي لا تزال خارج نطاق الاسترداد، ومدى قدرة الدولة على تتبعها وإعادتها إلى الخزينة.

ويرى المتحدث باسم الحكومة أن الفساد في العراق لا يمثل حالات فردية معزولة، وإنما «منظومة متجذرة» تتداخل فيها حلقات المال والإدارة والنفوذ، وهو ما يجعل مكافحته أكثر تعقيدًا من مجرد توقيف عدد من المسؤولين أو الموظفين.

ويضع هذا التشخيص استرداد الأموال في صلب الحملة الحكومية، باعتباره أحد المؤشرات العملية على قدرة مؤسسات الدولة على ملاحقة عائدات الفساد، وليس فقط معاقبة المتورطين فيه.

وتستند بعض إجراءات «صولة الفجر» إلى اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، بحسب المعطيات التي أعلنتها الحكومة، فيما شملت التحقيقات ملفات مرتبطة بقطاع النفط وغيره من القطاعات التي تتمتع بأهمية مالية كبيرة.

ويعد قطاع النفط بصورة خاصة من أكثر المجالات حساسية في العراق، بالنظر إلى اعتماده الكبير على عائدات النفط كمصدر رئيسي لإيرادات الدولة، ما يجعل أي فساد أو تلاعب في هذا القطاع ذا تأثير مباشر على المال العام وقدرة الحكومة على تمويل الخدمات والمشاريع.

وفي هذا السياق، تراهن الحكومة على القضاء باعتباره الضمانة الأساسية لاستمرار الحملة. وأكد العبودي أن القضاء العراقي يمثل «الضمانة الأكبر» لدعم جهود مكافحة الفساد وتحقيق أهدافها، في رسالة تعكس رغبة بغداد في إضفاء غطاء قانوني ومؤسسي على الإجراءات المتخذة.

لكن اتساع الحملة يضع السلطات أمام تحديات تتجاوز عمليات التوقيف واسترداد الأموال. فتلقي هيئة النزاهة أكثر من 26 ألف بلاغ يعني أن الأجهزة المختصة تواجه عددًا كبيرًا من الملفات التي تحتاج إلى التحقيق والتدقيق وإثبات المسؤوليات أمام القضاء، بما يتطلب قدرًا كبيرًا من الموارد والقدرات المؤسسية.

وتشير الحكومة في الوقت نفسه إلى أن الوقاية تمثل جزءًا أساسيًا من استراتيجية مكافحة الفساد، وليس فقط ملاحقة المتورطين بعد وقوع المخالفات. وفي هذا الإطار، يبرز التحول الرقمي والأتمتة باعتبارهما أداتين لتقليص التدخل البشري في الإجراءات الحكومية.

ويقول العبودي إن الأتمتة يمكن أن تسهم في الحد من فرص الفساد والابتزاز، من خلال تقليل الاحتكاك المباشر بين الموظفين والمراجعين وتقليص المساحات التي يمكن أن تستغل للتلاعب أو طلب الرشى.

ويعكس هذا التوجه محاولة لمعالجة أحد جذور المشكلة، إذ إن استرداد الأموال المسروقة قد يوفر نتائج مباشرة وملموسة، لكنه لا يمنع تكرار عمليات الفساد ما لم تتغير البيئة الإدارية التي تسمح بحدوثها.

ومن هنا، تبدو «صولة الفجر» أمام اختبار مزدوج: الأول يتمثل في قدرتها على استعادة أكبر قدر ممكن من الأموال والأصول العامة ومحاسبة المتورطين، والثاني في قدرتها على إغلاق الثغرات المؤسسية التي تسمح بتكرار الفساد.

كما أن استمرار الحملة وعدم استثنائها، وفق تأكيدات الحكومة، لأي متورط سيكون عنصرًا أساسيًا في تقييم جدية الإجراءات. فنجاح الحملة لن يقاس فقط بقيمة الأموال المستردة أو عدد الموقوفين، وإنما بمدى قدرتها على الوصول إلى شبكات النفوذ التي تجعل الفساد، بحسب وصف الحكومة، منظومة متجذرة داخل الإدارة والاقتصاد.

ويشكل الإعلان عن استرداد أكثر من مليار دولار دفعة سياسية للحكومة العراقية، خصوصًا في ظل الضغوط المستمرة لتحسين إدارة المال العام وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات. لكن الأرقام الكبيرة، في المقابل، تطرح سؤالًا حول حجم الأموال التي لا تزال خارج نطاق الاسترداد، ومدى قدرة الدولة على تتبعها وإعادتها إلى الخزينة.

ومع استمرار التحقيقات وتدفق البلاغات، تبدو الحملة العراقية مرشحة للتوسع خلال المرحلة المقبلة، سواء من حيث عدد الملفات أو الجهات المستهدفة. وسيكون القضاء وهيئة النزاهة والأجهزة الرقابية أمام مسؤولية تحويل هذا الزخم إلى نتائج قضائية نهائية ومستدامة.

وبذلك، يدخل العراق مرحلة جديدة في حربه على الفساد، عنوانها الجمع بين استرداد الأموال والملاحقة القضائية والإصلاح الإداري.

وإذا تمكنت الحكومة من تحويل حصيلة المليار دولار إلى بداية لمسار مؤسسي طويل الأمد، فقد تشكل «صولة الفجر» نقطة تحول في طريقة تعامل الدولة مع الفساد.

وأما إذا بقيت الحملة مرتبطة بالإجراءات الاستثنائية والتوقيفات دون إصلاح الثغرات التي تغذي الفساد، فإن الأموال المستردة ستظل نتيجة مهمة، لكنها لن تكون كافية لمعالجة المشكلة من جذورها.

1