العراق تحت مجهر العقوبات الأميركية على إيران
بغداد - وضعت بغداد نفسها أمام اختبار جديد في العلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما أبلغ مسؤول عراقي بأن المطارات العراقية ستمنع استقبال الطائرات الإيرانية اعتباراً من منتصف ليل الثلاثاء، مشيراً إلى أن الإجراءات تأتي امتثالاً للعقوبات الأميركية.
وجاء القرار في وقت تصعّد فيه واشنطن ضغطها على قطاع الطيران الإيراني، محذرة الدول والشركات التي تقدم خدمات للطائرات الإيرانية من التعرض بدورها للعقوبات. وأكد مسؤولان حكوميان عراقيان لوكالة فرانس برس أن بغداد ستوقف رحلات شركات الطيران الإيرانية استناداً إلى القرار الأميركي.
ولا يمثل الإجراء مجرد تعديل في حركة الرحلات الجوية، إذ يكشف عن انتقال العقوبات الأميركية من استهداف الشركات الإيرانية مباشرة إلى اختبار قدرة الدول المجاورة على الالتزام بها. فقد أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن واشنطن ستعمل اعتباراً من 23 سبتمبر على عزل شركات الطيران الإيرانية عن الخدمات الدولية، محذراً المطارات ومزودي الوقود وشركات الخدمات الأرضية من الاستمرار في التعامل معها، تحت طائلة التعرض للعقوبات الأميركية.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد وسعت في الثامن من سبتمبر نطاق العقوبات على قطاع الطيران الإيراني، فأدرجت 36 جهة مرتبطة بالقطاع، بينها 27 شركة طيران إيرانية، إضافة إلى شركات ووسطاء متهمين بتوفير خدمات للطيران الإيراني أو تسهيل نقل شحنات وأفراد مرتبطين بإيران. وتقول واشنطن إن هذه الشبكات تستخدم في دعم القدرات العسكرية والالتفاف على العقوبات.
وفي حال تثبيت تنفيذ القرار العراقي، سيكون العراق واحداً من أبرز الاختبارات العملية لسياسة واشنطن الجديدة، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، وإنما لأن علاقاته مع إيران أعمق بكثير من حركة الطيران. فقد تجاوز حجم التجارة الثنائية 10 مليارات دولار في 2025، بينما يعتمد العراق على الغاز الإيراني لتوليد الكهرباء ويدفع لطهران ما بين أربعة وخمسة مليارات دولار سنوياً وفق تقديرات لمسؤولين عراقيين نقلتها «رويترز».
وهنا تكمن صعوبة موقف بغداد. فالعراق يستطيع اتخاذ قرار يتعلق بالطيران خلال فترة قصيرة، لكنه لا يستطيع بالسهولة نفسها فك التشابكات الاقتصادية والطاقة مع إيران. كما أن النظام المالي العراقي يبقى شديد الارتباط بالنظام المالي الأميركي، إذ توجد عائدات النفط العراقية الدولارية في حسابات لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وهو ما يمنح واشنطن أدوات ضغط كبيرة على بغداد. وسبق للولايات المتحدة أن فرضت عقوبات على مصارف عراقية اتهمتها بالتعامل مع إيران أو تسهيل معاملات مرتبطة بها.
كلما اتسعت إجراءات واشنطن ضد إيران، ستجد بغداد نفسها أمام ملفات جديدة يتعين عليها أن تختار فيها بين كلفة الالتزام بالعقوبات وكلفة الحفاظ على علاقتها مع طهران
وتتضاعف حساسية المسألة في ظل التصعيد العسكري الإقليمي. فالعراق يحاول تجنب التحول إلى ساحة مباشرة للصراع الأميركي الإيراني، بينما تستضيف أراضيه فصائل مسلحة مرتبطة بطهران. وفي الوقت نفسه، تستعد القوات الأميركية لإنهاء وجودها العسكري الأساسي في العراق بحلول 30 سبتمبر، في مرحلة انتقالية ستعيد رسم العلاقة الأمنية بين البلدين وتضع الحكومة العراقية أمام مسؤولية أكبر في إدارة توازناتها الإقليمية.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم قرار وقف استقبال الطائرات الإيرانية باعتباره رسالة إلى واشنطن بأن بغداد مستعدة، في بعض الملفات، لتطبيق العقوبات وتجنب المخاطرة بمصالحها المالية والدولارية. لكنه في الوقت نفسه لا يعني بالضرورة تحولاً واسعاً في سياسة العراق تجاه إيران، ولا يثبت أن بغداد قررت فك ارتباطها الاقتصادي أو السياسي بطهران.
وتكشف التطورات الحالية أيضاً أن العقوبات الأميركية بدأت تضغط على قطاع الطيران الإيراني بطريقة تتجاوز الطائرات نفسها. فحتى عندما لا تمنع العقوبات قانوناً طائرة إيرانية من دخول مجال جوي أجنبي، فإن حرمانها من الوقود والخدمات الأرضية والصيانة والتعاملات المالية يمكن أن يجعل تشغيل الرحلات الدولية أكثر صعوبة. وهذا ما تحاول واشنطن تحقيقه عبر تحميل المطارات والشركات الأجنبية جزءاً من مسؤولية تنفيذ العقوبات.
لكن تطبيق القرار داخل العراق قد تكون له كلفة مباشرة أيضاً. فالرحلات الإيرانية تخدم حركة سفر كثيفة بين البلدين، تشمل رجال أعمال وطلاباً وعائلات، فضلاً عن زوار المدن الدينية العراقية. وقد كانت السلطات العراقية نفسها تعمل خلال الأشهر الماضية على تسهيل حركة الزوار الإيرانيين وتنظيم دخولهم إلى المدن المقدسة، ما يوضح حجم التشابك العملي بين البلدين.
كما أن تضييق الرحلات الإيرانية يأتي بينما تحاول طهران مواجهة حصار اقتصادي متشدد وعزل متزايد لقطاع الطيران. وتقول تقارير إن شركات طيران أجنبية عدة علقت رحلاتها إلى إيران، بينما تواجه الناقلات الإيرانية صعوبة متزايدة في الوصول إلى المطارات والخدمات الدولية. ومع دخول العقوبات الجديدة حيز التنفيذ، سيكون قرار العراق قابلاً للقياس بوصفه جزءاً من اختبار أوسع لمدى قدرة واشنطن على إجبار الشركاء التجاريين لإيران على تقليص التعامل معها.
وبالنسبة إلى بغداد، لا يتعلق الاختبار بالطائرات وحدها، بل بحدود المناورة بين حليفين مؤثرين. فالعراق يحتاج إلى تجنب العقوبات الأميركية وحماية نظامه المالي ومصالحه النفطية، لكنه في الوقت نفسه مرتبط بإيران عبر التجارة والطاقة والحدود والقوى السياسية والمسلحة.
لذلك فإن وقف استقبال الطائرات الإيرانية قد يكون خطوة امتثال محددة أكثر منه تحولاً استراتيجياً. غير أن أهميته تكمن في أنه يضع العراق تحت مجهر العقوبات الأميركية: كلما اتسعت إجراءات واشنطن ضد إيران، ستجد بغداد نفسها أمام ملفات جديدة يتعين عليها أن تختار فيها بين كلفة الالتزام بالعقوبات وكلفة الحفاظ على قنواتها التقليدية مع طهران.