الشرع يعيّن مظلوم عبدي مستشاراً في الرئاسة السورية

القرار يعيد رسم العلاقة بين دمشق والقوى الكردية في شمال شرقي سوريا
الجمعة 2026/08/28
صفحة جديدة

دمشق- عيّن الرئيس السوري أحمد الشرع مظلوم عبدي، القائد السابق لقوات سوريا الديمقراطية «قسد»، مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية، في خطوة تأتي بعد أيام من إعلان عبدي حل القوة العسكرية والإدارة الذاتية والاندماج في مؤسسات الدولة السورية، لتفتح بذلك مرحلة جديدة في العلاقة بين دمشق والقوى الكردية في شمال شرقي البلاد.

ويكتسب تعيين عبدي أهمية تتجاوز حدود المنصب الجديد، نظراً إلى أن الرجل كان لسنوات أبرز شخصية عسكرية وسياسية تقود «قسد»، التي فرضت نفوذاً واسعاً على مناطق في شمال شرقي سوريا، وأقامت مع الإدارة الذاتية منظومة عسكرية وأمنية وإدارية مستقلة إلى حد كبير عن السلطة المركزية في دمشق.

ويأتي قرار الشرع في سياق مسار سياسي يهدف إلى إنهاء حالة الانقسام المؤسساتي والعسكري، وتحويل العلاقة بين الحكومة السورية والقوى الكردية من صيغة الأمر الواقع إلى شراكة ضمن مؤسسات الدولة.

ومن هذه الزاوية، يبدو تعيين عبدي بمثابة مكافأة سياسية على اختياره الاندماج، ورسالة إلى القيادات الكردية بأن التخلي عن البنية العسكرية والإدارية المستقلة لن يعني بالضرورة إقصاءها من المشهد السياسي.

وكان عبدي قد أعلن، الثلاثاء، حل «قسد» كقوة عسكرية مستقلة، في خطوة اعتُبرت محطة أساسية في تنفيذ اتفاق 29 يناير، الذي ينص على دمج القوات والمؤسسات التابعة للإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

وترافقت هذه الترتيبات مع تفاهمات بشأن إدماج عدد من القيادات العسكرية والسياسية الكردية في مؤسسات الدولة، وإعادة تنظيم الملفات الأمنية والعسكرية والإدارية في المناطق التي كانت تحت سيطرة «قسد".

وينقل تعيين عبدي الرجل من موقع القيادة العسكرية إلى موقع سياسي داخل مؤسسة الرئاسة. وهذا التحول يحمل دلالة واضحة، إذ تسعى دمشق إلى سحب الدور السياسي للقوى الكردية من إطار المؤسسات الموازية للدولة وإعادته إلى مؤسسات الحكم المركزية.

وفي المقابل، يمنح المنصب الجديد عبدي مساحة للحفاظ على حضوره السياسي والتأثير في الملفات المتعلقة بالمكون الكردي، ولكن من داخل مؤسسات الدولة وليس عبر قوة عسكرية مستقلة.

وبذلك يمكن أن تتحول شخصية كانت تمثل أحد أبرز مراكز القوة خارج سيطرة دمشق إلى قناة اتصال مباشرة بين السلطة المركزية والمكون الكردي.

ولا يخلو هذا الخيار من حسابات سياسية. فإقصاء عبدي أو التعامل معه باعتباره مجرد قائد سابق لقوة عسكرية كان يمكن أن يعقّد عملية الاندماج، خصوصاً أن الرجل يمثل شخصية ذات نفوذ داخل الأوساط الكردية.

وأما استيعابه في مؤسسة الرئاسة، فيوفر لدمشق فرصة للاستفادة من هذا النفوذ في تثبيت الاتفاقات على الأرض.

ويعكس القرار، في جانب آخر، نهجاً يقوم على استيعاب الخصوم السابقين ضمن مؤسسات الدولة. فبدلاً من محاولة تفكيك النفوذ الكردي دفعة واحدة، يبدو أن دمشق تتجه إلى إعادة توزيع هذا النفوذ داخل البنية الرسمية، بما يسمح بالحفاظ على بعض الشخصيات المؤثرة، مع إنهاء استقلال المؤسسات والقوات التابعة لها.

تعيين عبدي يبدو بمثابة مكافأة سياسية على اختياره الاندماج، ورسالة إلى القيادات الكردية بأن التخلي عن البنية العسكرية والإدارية المستقلة لن يعني بالضرورة إقصاءها من المشهد السياسي.

وتحمل هذه السياسة رهاناً مزدوجاً. فمن جهة، تريد دمشق تأكيد سيادة الدولة ووحدة القرار العسكري والأمني، ومن جهة أخرى، تحتاج إلى تجنب خلق فراغ سياسي أو أمني في مناطق شمال شرقي سوريا يمكن أن يعيد إنتاج التوتر أو يدفع القوى المحلية إلى مقاومة عملية الاندماج.

ويأتي ذلك في وقت تشكل فيه مسألة مستقبل المناطق الكردية واحدة من أكثر الملفات حساسية في عملية إعادة بناء الدولة السورية. فالاندماج لا يتعلق فقط بإعادة توزيع القوات، وإنما يمتد إلى شكل الإدارة المحلية، وترتيبات الأمن، ومصير المؤسسات المدنية، ومستقبل القيادات التي أدارت المنطقة خلال السنوات الماضية.

ورغم أهمية تعيين عبدي، فإن الخطوة لا تحسم وحدها الملفات العالقة بين دمشق والقوى الكردية. فالانتقال من اتفاق سياسي إلى اندماج فعلي يتطلب معالجة قضايا شديدة التعقيد، من بينها كيفية دمج المقاتلين السابقين في مؤسسات الدولة، وإعادة تنظيم الأجهزة الأمنية، وتحديد الصلاحيات الإدارية في المناطق ذات الغالبية الكردية.

كما سيكون على عبدي نفسه أن يثبت قدرته على الانتقال من دور قائد قوة عسكرية مستقلة إلى مسؤول سياسي يعمل ضمن مؤسسات الدولة. وسيكون مدى قدرته على إقناع القيادات والقواعد الكردية بجدوى الاندماج عاملاً أساسياً في نجاح الترتيبات الجديدة.

وبالنسبة إلى الشرع، فإن استيعاب عبدي قد يمثل اختباراً لقدرته على بناء دولة قادرة على دمج القوى التي نشأت خارج مؤسساتها، من دون تحويل عملية الدمج إلى مجرد إعادة توزيع للمناصب والنفوذ.

وفي المحصلة، يبدو تعيين مظلوم عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية جزءاً من صفقة سياسية أوسع: تتخلى «قسد» عن استقلالها العسكري والإداري، بينما تحصل قياداتها على مساحة للمشاركة داخل مؤسسات الدولة.

وبين كون الخطوة مكافأة على خيار الاندماج أو وسيلة لاستيعاب خصم سابق، فإن نجاحها سيقاس بقدرة دمشق وعبدي على تحويل التفاهمات إلى واقع مستقر، وإنهاء ازدواجية السلطة من دون فتح جبهة جديدة مع المكون الكردي.

وإذا نجح المسار، قد يتحول عبدي من رمز لقوة عسكرية موازية إلى أحد أبرز جسور التواصل بين دمشق والأكراد.

وأما إذا تعثرت عملية الاندماج، فقد يكشف تعيينه حدود سياسة الاستيعاب، ويعيد إلى الواجهة السؤال القديم حول شكل العلاقة بين المركز والأطراف في سوريا الجديدة.