الشراكة مع الصين ورقة السيسي للرد على التجاهل الأميركي
القاهرة- وجهت السلطات المصرية رسالة مبطنة إلى الولايات المتحدة من خلال الحفاوة التي أظهرتها في استقبال وفد صيني رفيع المستوى زار القاهرة يومي الأربعاء والخميس، وعززت الزيارة توسيع نطاق الشراكة بين القاهرة وبكين، والإيحاء بوجود بدائل أمام مصر ردا على ما تعتبره تجاهلا أميركيا لدورها الإقليمي والرهان على دول أخرى وخاصة دول الخليج.
ويرى مراقبون أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي استقبل الوفد الصيني، سعى من وراء ذلك للفت انتباه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي تعمد منذ استلام ولايته الثانية تحييد مصر عن ملفات الإقليم، إلى أن القاهرة لا يمكن تجاهلها أو تهميشها، وهو ما يفسر الانفتاح المصري على الصين وقبلها على إيران. لكنه انفتاح أقرب إلى ردة فعل مؤقتة.
وزاد البرود في العلاقات المصرية – الأميركية بعد تحييد القاهرة عن رعاية المفاوضات الخاصة بوقف الحرب في غزة بسبب رفض المصريين خطة ترامب لتهجير الفلسطينيين واعتبار أن الخطة تضمر الدفع بهم للاستقرار في سيناء. ومن نتائج هذا الموقف تأجيل زيارة الرئيس المصري إلى الولايات المتحدة، وعدم برمجة لقاء للسيسي مع الرئيس الأميركي في جولته الخليجية في مقابل استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع، ما اعتبر موقفا سلبيا تجاه الدور المصري.
مصادر مصرية: القاهرة بدأت عملية تنويع شراكاتها الإستراتيجية مع دول عدة منذ سنوات
ونفت مصادر مصرية لـ”العرب” أن تكون الشراكة مع الصين بديلة عن الولايات المتحدة، لأن القاهرة بدأت عملية تنويع شراكاتها الإستراتيجية مع دول عدة منذ سنوات، ولا تقتصر علاقاتها القوية على الصين، مع وجود مرونة في النظام الدولي، وانحياز كبير من قبل الولايات المتحدة لدول بعينها، بما يؤثر على مصالح مصر.
وأكدت المصادر ذاتها أن القاهرة لا ترمي من وراء التقارب مع الصين أو روسيا الدخول في صدام مباشر مع الولايات المتحدة، وتحرص على شراكتها الكبيرة معها، لكنها تريد ضبط بعض مفاصلها، لأن التوجهات التي تتبناها واشنطن حيال المنطقة تضر بمصالح مصر ولن تؤدي إلى تثبيت الأمن والاستقرار الإقليمي.
وتدرك القاهرة أن أيّ شراكة بينها وبين بكين لن تكون على حساب الولايات المتحدة أو تفضي إلى أزمة معها، وتعلم أن واشنطن لن تقبل بمزاحمة الصين لها في مصر التي تمثل أهمية فائقة في التقديرات الأميركية لهذه المنطقة من العالم، ولذلك تسعى القاهرة إلى أن تكون تصوراتها متوازنة وإشاراتها ضمنية وعدم استفزاز الإدارة الأميركية التي تخوض حربا بوجوه متعددة في مواجهة الصين.
وأكد الرئيس المصري خلال استقباله رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ، الخميس، حرص بلاده على تعزيز التعاون مع الصين في مختلف المجالات ذات الاهتمام المشترك، والعمل على تفعيل الشراكة الإستراتيجية الشاملة، مع اقتراب الاحتفال بالذكرى السبعين (2026) للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وانغ غوانغدا: مصر والصين في حاجة إلى مواصلة تعزيز الدعم المتبادل وتوسيع آفاق التعاون
وعبّر رئيس مجلس الدولة الصيني عن اعتزاز بلاده بالعلاقات الوثيقة مع مصر، المستندة إلى تاريخ ممتد من الشراكة، وقيم الاحترام المتبادل والمصالح المتبادلة، مشيدا بتطور العلاقات الثنائية والتنسيق على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وأبدت القاهرة اهتماما بمساهمات الشركات الصينية في تنفيذ المشروعات التنموية بمصر، والتطلع نحو جذب المزيد من الاستثمارات في قطاعات الطاقة الجديدة والمتجددة، وصناعة السيارات الكهربائية، وتنشيط حركة السياحة الصينية، وتعزيز التعاون في مجالات التصنيع والتنمية بشكل عام.
ويبلغ عدد الشركات الصينية العاملة في مصر 2800 شركة، بحجم استثمارات يصل إلى 8 مليارات دولار، وتركز على مجالات البناء والتشييد والطاقة والسيارات، وتتمركز جُلها في منطقة شرق قناة السويس الاقتصادية.
وسجل حجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفاعًا ملحوظًا في السنوات الماضية، وصل عام 2024 إلى 17.37 مليار دولار، مقارنة بـ 15.78 مليار دولار في العام السابق عليه، بنسبة نمو بلغت 10 في المئة.
وجاءت زيارة لي تشيانغ إلى القاهرة عقب مشاركته أخيرا في قمة “بريكس” التي عقدت في البرازيل لأول مرة بعد توسيع عضوية التكتل لتشمل 11 دولة، بينها مصر.
ودخلت العلاقات بين مصر والصين مرحلة جديدة في عهد الرئيس السيسي، وتم وضع أُسس شراكة إستراتيجية متباينة، أعلن عنها رسميًا في ديسمبر 2014، وأخذت مجالات التعاون تتمدد مع رهانات بكين الكبيرة على مصر كنقطة حيوية في مشروع الحزام والطريق، ونافذة لتسهيل وصول بضائعها إلى أفريقيا.
وتلتقي مصر والصين في تعظيم أهمية قناة السويس للحد من أيّ مشروعات تجارة بديلة تدعمها الولايات المتحدة سوف تؤثر عليها كشريان بحري مهم لمصر والصين، فالأولى قد تتكبد خسائر باهظة إذا تم تدشين مشروع الهند – أوروبا، والثانية ربما تواجه مأزقا جيوستراتيجيا ويتأثر مشروعها الطموح المعروف بـ”طريق الحرير” بسبب أيّ مسارات دولية موازية قوية.
وشهدت السنوات الماضية لقاءات عديدة رفيعة المستوى بين البلدين، أبرزها زيارة السيسي إلى بكين في مايو الماضي، ومشاركته في منتدى التعاون العربي – الصيني، والحديث عن زيارة مرتقبة لرئيس الصين شي جينبينغ إلى القاهرة.
وثمّنت وسائل إعلام مصرية وصينية زيارة الوفد الصيني الرفيع، ووصفتها تقارير في البلدين بأنها خطوة نوعية في مجال تطوير الشراكة الإستراتيجية، وصياغة مستقبل العلاقات الدولية.
◄ القاهرة تقول إنه لا يمكن تهميشها، وهو ما يفسر التقارب مع الصين وقبلها مع إيران، وإن كان تقاربا أقرب إلى ردة فعل مؤقتة
وذكرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية أن زيار لي تشيانغ إلى القاهرة، من أجل “تبادل وجهات النظر مع كبار المسؤولين في مصر بشأن سبل تطوير العلاقات الثنائية، وتعميق التعاون، ومناقشة قضايا ذات اهتمام مشترك.”
ونقلت قناة “القاهرة الإخبارية” عن أمين عام مركز الدراسات الصيني – العربي للإصلاح والتنمية وانغ غوانغدا قوله إن البلدين يلعبان دورًا متزايد الأهمية في الحفاظ على السلم العالمي وتعزيز العدالة الدولية، في ظل تفاقم الأزمات الجيوسياسية.. ومصر والصين في حاجة إلى مواصلة تعزيز الدعم المتبادل وتوسيع آفاق التعاون.
ويعد التعاون في مجال الدفاع أحد الركائز الأساسية في الشراكة بين القاهرة وبكين، وشهدت العلاقات العسكرية تطورا ملحوظًا مؤخرا، عندما أجرت القوات الصينية والمصرية أول مناورات جوية مشتركة في أبريل الماضي، تحت اسم “نسور الحضارة”، واستمرت 18 يومًا، وقاد طيار مصري المقاتلة الصينية J-10C، في إشارة فهم منها إمكانية بيعها إلى القاهرة، وتقليل الاعتماد على السلاح الأميركي.
وشاركت الصين في المناورات بمقاتلات J-10C وطائرات التزود بالوقود YU-20، وطائرات الإنذار المبكر KJ-500، إلى جانب مقاتلات MiG-29 المصرية.
وتزامنت زيارة لي تشيانغ مع تقارير أشارت إلى أن مصر نشرت منظومة الدفاع الجوي الصينية HQ-9B، في رسالة فُسّرت بأن القاهرة في سبيلها لتقليص اعتمادها على الدعم العسكري الغربي التقليدي، ما يوحي بأن مصر تملك خيارات بديلة إذا تباطأت الولايات المتحدة عن تزويدها بأسلحة متقدمة.
ويأتي التقارب بين مصر والصين في خضم إعادة ترتيب بعض الأوراق الأميركية، وفي مقدمتها برنامج المساعدات التي تتلقى منها مصر 1.3 مليار دولار سنويا، منذ التوقيع على اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل قبل حوالي نصف قرن، بينها معدات عسكرية مهمة، لوحت واشنطن أكثر من مرة بحجبها أو تقليصها.