السياسة العالمية وحتى الطقس يغرقان في كازينو الشاشات
تدمج المؤسسات الإعلامية الكبرى، مثل "فوكس نيوز" و"سي.أن .أن"، بيانات أسواق التنبؤ المالية مثل "كالشي" و"بوليماركت" كبديل أو مكمل لاستطلاعات الرأي التقليدية لقياس الاحتمالات السياسية. وبينما يرى المؤيدون أن هذه الأسواق توفر مؤشرات دقيقة ومحايدة للرأي العام، يحذر المنتقدون من تحويل العملية الديمقراطية إلى مراهنات والمخاطرة بالتلاعب في التغطية الإعلامية.
نيويورك- في الطابق العلوي من مقر شبكة إخبارية كبرى في مانهاتن، لا يراقب المنتجون فقط تقارير المراسلين، بل يراقبون شاشات تومض بنسب مئوية خضراء وحمراء. لم تعد هذه الأرقام تخص أسهم البورصة، بل تخص احتمالية نشوب حرب، أو فوز مرشح، أو حتى فرصة وقوع إعصار في فلوريدا.
لقد دخلت “أسواق التنبؤ” غرف الأخبار الأميركية من أوسع أبوابها، محوّلةً الأحداث العالمية إلى ما يشبه “الكازينو” المنظم الذي لا يكتفي بنقل الخبر، بل يراهن عليه.
وفي مشهد يعكس تحولاً جذرياً في كيفية استهلاك الجمهور للأخبار، لم تعد شاشات التلفزيون في غرف الأخبار الأميركية الكبرى تكتفي بنقل ما حدث بالفعل، بل باتت تركز بشكل متزايد على “تسعير” ما سيحدث في المستقبل.
ومن “سي.أن.أن” إلى “فوكس نيوز” و”سي.أن.بي.سي”، بدأ نموذج جديد يفرض نفسه على التغطية اليومية، حيث تظهر نسب مئوية ديناميكية لاحتمالات وقوع أحداث سياسية واقتصادية، مستمدة مباشرة من منصات “أسواق التنبؤ”.
هاري إنتن: أسواق التنبؤ توفر إشارة في الوقت الفعلي
هذا التحول، الذي رصده تقرير لـ”نيومان لاب”، يشير إلى أن أسواق التنبؤ لم تعد مجرد أداة للمراهنين، بل تحولت إلى “تخصص صحفي” مستقل يعيد صياغة مفهوم الخبر.
ولسنوات، كانت استطلاعات الرأي هي المعيار الذهبي للتنبؤ بالنتائج السياسية، لكن الفجوات التي ظهرت في دورات انتخابية سابقة دفعت الشبكات الإخبارية إلى البحث عن بدائل أكثر مرونة. هنا برزت أسواق التنبؤ، حيث يضع المشاركون أموالاً حقيقية خلف توقعاتهم، مما يخلق “حكمة الجماهير” التي يراها الكثيرون أكثر دقة من الاستطلاعات التقليدية.
ويقول محللون إن دمج هذه البيانات في شريط الأخبار أسفل الشاشة، كما تفعل “سي.أن.أن” مع بيانات “كالشي”، يمنح المشاهدين قراءة لحظية للواقع. فعندما يرتفع احتمال خفض أسعار الفائدة بنسبة 5 في المئة خلال ساعة واحدة، يصبح هذا “خبراً” في حد ذاته، يستدعي التحليل والنقاش.
لم تكن هذه الظاهرة وليدة الصدفة، فقد أبرمت منصة “كالشي”، وهي بورصة منظمة فيدرالياً في الولايات المتحدة، اتفاقيات إستراتيجية مع عمالقة الإعلام. شبكة “فوكس”، على سبيل المثال، أصبحت تدمج بيانات التوقعات عبر منصاتها الرقمية والتلفزيونية، ليس فقط في السياسة، بل حتى في توقعات الطقس والكوارث الطبيعية.
وفي “سي.أن.بي.سي”، يجد المستثمرون في هذه الأرقام أداة للتحوط ضد المخاطر السياسية، حيث يتم التعامل مع احتمالات فوز مرشح ما أو تمرير قانون معين كمعطيات مالية صلبة تؤثر على حركة الأسواق.
وبالنسبة لغرف الأخبار التي تعاني من تراجع نسب المشاهدة التقليدية، فإن “أسواق التنبؤ” توفر مادة تفاعلية وجذابة تبقي المشاهدين مرتبطين بالشاشة لمتابعة تقلبات “الأسهم السياسية”.
وصرح المتحدث باسم شبكة “فوكس” بأن الهدف هو “تزويد المشاهدين بأدوات بيانات مبتكرة تتجاوز التغطية التقليدية”، مشيراً إلى أن الجمهور أصبح يبحث عن أرقام تعكس “توقعات السوق الحقيقية” وليس فقط آراء الخبراء في الاستوديوهات.
إليزابيث وارن: السماح بالمراهنة على الانتخابات يحول العملية الديمقراطية إلى مجرد لعبة قمار
وقالت قناة “سي.أن.بي.سي” إنها تتعامل مع هذه البيانات كجزء من “اقتصاد المعلومات”، حيث صرح محللوها بأن احتمالات “كالشي” بخصوص أسعار الفائدة أو قرارات المحكمة العليا أصبحت “بيانات أساسية” للمتداولين تماماً مثل تقارير البطالة أو التضخم.
ومع اقتراب الدورات الانتخابية الكبرى، يبدو أن هذا النموذج وجد ليبقى. إن تحول أسواق التنبؤ إلى مادة خبرية أساسية يعكس واقعا جديدا: في عصر المعلومات السريعة، لم يعد الجمهور يكتفي بمعرفة “ماذا حدث”، بل يريد أن يعرف “بكم يراهن العالم” على ما سيحدث غداً.
ومع ذلك، يثير هذا التوجه مخاوف أخلاقية ومهنية. يرى نقاد الإعلام أن الاعتماد المفرط على “الاحتمالات” قد يحول الصحافة من وسيلة لنشر الحقائق إلى أداة لتعزيز المراهنات. كما يتساءل البعض عما إذا كان عرض هذه النسب المئوية قد يؤثر فعلياً على سلوك الناخبين أو المستهلكين، مما يخلق “حلقة مفرغة” من التوقعات التي تحقق ذاتها.
وفي هذا السياق، ينقسم الإعلام الأميركي الآن بين من يرى المراهنات “ثورة في الشفافية” تعتمد على حكمة الجماهير، وبين من يراها “مقامرة بالديمقراطية” تحول الخبر اليقين إلى مجرد احتمالات في بورصة مفتوحة.
وصرحت السيناتور إليزابيث وارن ومجموعة من المشرعين الديمقراطيين بأن “السماح بالمراهنة على الانتخابات يحول العملية الديمقراطية إلى مجرد لعبة قمار، حيث يمكن لأصحاب الأموال الكبيرة التلاعب بالاحتمالات للتأثير على إقبال الناخبين”.
في المقابل، صرح متحدث باسم “كالشي”، في عدة مناسبات بأن المنصة ليست كازينو، بل هي “أداة للتحوط من المخاطر”. ويرى أن الناس يراهنون بالفعل على الأحداث في الأسواق السوداء، لكن “كالشي” توفر بيئة قانونية ومنظمة تعطي بيانات دقيقة للمجتمع.
وأشار هاري إنتن، كبير محللي البيانات في “سي.أن.أن”، إلى أن أسواق التنبؤ توفر “إشارة في الوقت الفعلي”. ويرى أن هذه الأسواق لا تتقيد بالانحيازات الحزبية لأن “المال لا يحابي أحداً”، فالمتداولون يريدون الربح بغض النظر عن تفضيلاتهم الشخصية.
وذكر الخبراء في معهد “نيومان” للصحافة أن هذا النموذج يغير دور الصحفي، فبدلاً من أن يسأل الصحفي “من تعتقد أنه سيفوز؟”، أصبح يسأل “لماذا تحركت احتمالات فوز هذا المرشح من 40 في المئة إلى 55 في المئة في ساعة واحدة؟”.