السودان: هشاشة عروض التسوية تعزز الحسم العسكري

هل يمكن إخراج طرفي الحرب من منصات الحوار، بدلا من جعلهما طرفين أساسيين في صياغة مستقبل السودان؟
الخميس 2026/09/24
معادلة أكثر تعقيدا من مجرد الدعوة إلى هدنة جديدة

الخرطوم- بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في السودان، يبدو الميدان أكثر قدرة على فرض إيقاعه من طاولات التفاوض. فالتصعيد المتواصل، خصوصا في إقليم كردفان، وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة، يعكسان استمرار رهان طرفي الصراع على تحسين مواقعهما العسكرية قبل الدخول في أي تسوية سياسية ملزمة.

وفيما تتواصل المبادرات الدولية والإقليمية، لا تزال الفجوة واسعة بين ما يطرح على طاولة الوسطاء وما يحدث على الأرض. وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في يونيو من أن التحذيرات الدولية المتكررة لم تترجم مرات كثيرة إلى تحرك منسق كاف لمنع التصعيد، داعيا الجيش وقوات الدعم السريع إلى الانخراط في جهود التهدئة والتوصل إلى تسوية تفاوضية.

وتقدم كردفان صورة واضحة لهذه المعضلة. فقد وثق مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان 15 هجوما بطائرات مسيّرة على مدينة الأبيض ومحيطها بين 6 و28 يونيو، أسفرت عن مقتل 45 مدنيا على الأقل وإصابة 41، فيما أشارت الأمم المتحدة لاحقا إلى أن أكثر من 1100 مدني قتلوا في هجمات المسيّرات خلال النصف الأول من العام، من أصل نحو 1400 وفاة مدنية وثقتها المنظمة خلال الفترة نفسها.

ولا يعني ذلك أن الضغط الدولي غائب، بقدر ما يكشف أن تأثيره على الحسابات العسكرية لا يزال محدودا. فواشنطن تواصل الدفع باتجاه هدنة إنسانية مدتها 90 يوما، بينما قدم مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس تصورا يقوم على هدنة، ووصول المساعدات، ثم وقف دائم لإطلاق النار وترتيبات أمنية ومسار سياسي يقود إلى حكومة مدنية.

◄ المطلوب هو منع الجيش والدعم السريع من تحويل التفوق العسكري إلى حق سياسي دائم، وفي الوقت نفسه بناء مسار مدني لا يبدو مفروضا من الخارج

لكن العقبة الأساسية بقيت في ترتيب الخطوات. فالجيش السوداني اشترط انسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي تسيطر عليها قبل القبول الواسع بالخطة الأميركية، بينما دفعت واشنطن باتجاه صيغة أكثر تدرجا تتحرك فيها الهدنة والانسحابات بصورة متوازية.

ويكشف هذا الخلاف أن الطرفين لا يزالان يتعاملان مع التسوية باعتبارها امتدادا للتوازن العسكري. فالجيش يريد أن يدخل أي تفاوض من موقع يكرس تفوق مؤسسات الدولة ويمنع منح الدعم السريع شرعية سياسية، بينما يسعى الدعم السريع إلى الحفاظ على ما حققه ميدانيا وعدم تحويل الهدنة إلى مقدمة لتجريده من أوراقه قبل الوصول إلى ترتيبات نهائية.

وهنا يبرز التحول الأكثر أهمية في طرح بولس: هل يمكن إخراج طرفي الحرب من مستقبل السلطة، بدلا من جعلهما طرفين أساسيين في صياغة مستقبل السودان؟

في سبتمبر، قال بولس صراحة إن واشنطن ترى أن لا مستقبل سياسيا لقائدي الجيش والدعم السريع، عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو «حميدتي»، وإن الولايات المتحدة تؤيد انتقالا سريعا إلى حكم مدني. لكنه أكد في الوقت نفسه أن العملية السياسية يجب أن تكون واسعة المشاركة وتشمل قوى المجتمع المدني والأحزاب والمجموعات السودانية المختلفة.

ويمثل هذا الطرح محاولة لنقل مركز الثقل من سؤال تقاسم السلطة بين المتحاربين إلى سؤال بناء سلطة مدنية بعد وقف الحرب. وهو تصور سبق أن ظهر في الخطة الأميركية ذات الركائز الخمس التي تربط الهدنة بالانتقال إلى حكومة مدنية وإعادة الإعمار.

◄ من الصعب بناء مسار سياسي قابل للحياة إذا جرى استدعاء تيار مدني محدود أو مجموعة سياسية واحدة باعتبارها بديلا جاهزا عن طرفي الحرب

غير أن إخراج البرهان وحميدتي من مستقبل الحكم لا يحل تلقائيا مشكلة التمثيل المدني. فمن الصعب بناء مسار سياسي قابل للحياة إذا جرى استدعاء تيار مدني محدود أو مجموعة سياسية واحدة باعتبارها بديلا جاهزا عن طرفي الحرب. المطلوب، وفق المنطق الذي طرحه بولس نفسه، عملية أكثر اتساعا تضم الأحزاب والقوى الاجتماعية والنساء والشباب والنقابات والمجتمعات المحلية، مع استبعاد الجهات المرتبطة بارتكاب الانتهاكات أو الساعية إلى احتكار الدولة.

وتزداد أهمية هذا السؤال مع استمرار الحرب. فكلما طال أمد القتال، تغيرت موازين القوى وتعمقت الانقسامات الجغرافية والاقتصادية، بما يجعل أي صيغة سياسية أكثر صعوبة. وتشير أحدث التقارير إلى أن الاقتصاد نفسه بدأ يعكس هذا الانقسام، مع تراجع حاد في قيمة الجنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش وتزايد الضغوط على المدنيين.

وفي المقابل، بدأت واشنطن ترفع مستوى الضغط على الطرفين. فقد أعلنت في سبتمبر أن الجيش والدعم السريع لا يمثلان، في نظرها، سلطة دستورية شرعية لحكم السودان، وتحدثت عن زيادة كلفة استمرار الحرب. كما أفادت رويترز بأن واشنطن حجبت تأشيرة البرهان لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط تقارير ربطت الخطوة بقبوله هدنة التسعين يوما التي يقترحها بولس.

لكن هذه الضغوط تظل أمام اختبار الميدان. فإذا لم تقترن بقدرة على التأثير في مصادر التسليح والتمويل، وإجبار الطرفين على خفض التصعيد، فقد تظل المبادرات السياسية منفصلة عن الواقع العسكري.

ومن هنا تبدو معادلة السودان أكثر تعقيدا من مجرد الدعوة إلى هدنة جديدة. المطلوب هو منع الجيش والدعم السريع من تحويل التفوق العسكري إلى حق سياسي دائم، وفي الوقت نفسه بناء مسار مدني لا يبدو مفروضا من الخارج ولا يختزل المجتمع السوداني في مجموعة محدودة من القوى.

وبينما يستمر القتال في كردفان ودارفور ومناطق أخرى، يبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع الدبلوماسية الدولية تغيير حسابات طرفي الحرب قبل أن ينجح الميدان في فرض وقائع تجعل التسوية السياسية أكثر صعوبة؟ فالوقت الذي تكسبه الحرب قد لا يكون محايدا؛ كل يوم إضافي من القتال يعيد تشكيل خريطة النفوذ، ويجعل مهمة إخراج العسكريين من السياسة أكثر تعقيدا.