السلاح مقابل الانسحاب الأميركي.. معادلة جديدة تشق صفوف القوى العراقية

منظمة بدر ترفض حصر السلاح بالقوة وتطالب بضمانات قبل أي خطوة حكومية
الجمعة 2026/08/14
الميليشيات تحذر

بغداد- دخل ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة في العراق مرحلة أكثر حساسية، بعدما تحول من قضية أمنية وسياسية قابلة للنقاش داخل أروقة السلطة إلى اختبار مباشر لعلاقة الحكومة بالفصائل المسلحة، ولقدرة القوى السياسية على التوافق بشأن مستقبل الوجود الأميركي في البلاد.

ومع اقتراب الموعد المحدد للانسحاب الأميركي، برزت معادلة جديدة تضع ملفي السلاح والانسحاب في كفة واحدة، الأمر الذي بدأ يشق صفوف المعسكر السياسي الداعم للحكومة.

ويتمسك رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بخروج القوات الأميركية في 30 سبتمبر المقبل، لكنه في الوقت نفسه يدفع باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، باعتبار ذلك جزءاً من تثبيت سلطة المؤسسات الرسمية ومنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات إقليمية لا تخدم مصالح بغداد. غير أن هذا التوجه يصطدم بتحفظات قوى وفصائل ترى أن معالجة ملف السلاح يجب ألا تتم قبل ضمان الانسحاب الأميركي الكامل وتوفير شروط أمنية وعسكرية تحمي العراق من المخاطر الخارجية.

وجاء التصعيد الأوضح من منظمة بدر، التي رفضت أي توجه حكومي لاستخدام القوة لفرض حصر السلاح، محذرة من أن مثل هذا الخيار قد يقود إلى صدام داخلي.

ولم تكتف المنظمة برفض القوة، بل وجهت انتقادات مباشرة إلى حكومة الزيدي، متهمة إياها بالتأثر بالضغوط الأميركية، خصوصاً أن واشنطن جعلت حصر السلاح أحد الملفات الرئيسية في علاقتها مع بغداد.

وتكشف لهجة بدر عن تحول مهم في طبيعة الخلاف. فالقضية لم تعد تدور فقط حول ما إذا كان ينبغي حصر السلاح بيد الدولة، وإنما حول توقيت العملية وآلياتها والضمانات التي ينبغي أن تسبقها. فالفصائل تريد، وفق الطرح الذي قدمته المنظمة، أن يكون الانسحاب الأميركي شرطاً أساسياً قبل اتخاذ خطوات واسعة في ملف السلاح، بينما ترى الحكومة أن احتكار الدولة للقوة ضرورة سيادية لا يمكن تأجيلها إلى أجل غير محدد.

وتضع هذه المقاربة بغداد أمام معادلة شديدة التعقيد: الانسحاب الأميركي مقابل حصر السلاح. فالفصائل تخشى أن يؤدي تسليم السلاح أو تقليص قدراتها قبل خروج القوات الأميركية إلى إضعاف موقعها الأمني والسياسي، في حين تخشى الحكومة أن يؤدي استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة إلى إبقاء العراق عرضة للتجاذبات الإقليمية، وربما تحويل أراضيه إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة في المنطقة.

ومنظمة بدر، في موقفها الأخير، لم ترفض مبدأ حصر السلاح بصورة مطلقة، لكنها وضعت شروطاً لتنفيذه، أبرزها الانسحاب الكامل للقوات الأميركية، وزوال المخاطر الاستراتيجية التي تهدد العراق، وبناء قدرات القوات المسلحة العراقية، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي. كما شددت على ضرورة أن يتم حصر السلاح من خلال التفاهم مع قادة الفصائل، لا عبر إجراءات قسرية يمكن أن تفتح الباب أمام مواجهة داخلية.

وهنا تظهر إحدى أكثر القضايا تعقيداً في المشهد العراقي: الفصائل المسلحة ترى نفسها جزءاً من المنظومة الأمنية والسياسية التي تشكلت خلال سنوات مواجهة تنظيم داعش، فيما تسعى الحكومة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة وهذه الفصائل بحيث تصبح القوة المسلحة خاضعة بصورة واضحة للقرار الرسمي.

وبين التصورين، يبقى السؤال حول الكيفية التي يمكن بها الانتقال من تعدد مراكز القوة إلى احتكار الدولة للسلاح دون تفجير صراع جديد.

كما أن الخلاف يكشف تبايناً داخل القوى السياسية نفسها. فهادي العامري، زعيم منظمة بدر، حاول الاضطلاع بدور أكثر توازناً، ودعم مساراً لحصر السلاح وفق ضوابط، بينما جاءت تصريحات رئيس المكتب السياسي للمنظمة أكثر تشدداً تجاه حكومة الزيدي.

ويعكس هذا التباين صعوبة الوصول إلى موقف موحد داخل المعسكر السياسي الذي يضم قوى مرتبطة بالفصائل المسلحة، خصوصاً عندما يتداخل الملف الأمني مع مستقبل العلاقة مع واشنطن.

وفي المقابل، تنظر الحكومة إلى القضية من زاوية مختلفة. فبالنسبة إلى الزيدي، لا يتعلق حصر السلاح فقط بالمطالب الأميركية، وإنما بمسألة أوسع ترتبط بسيادة الدولة وقدرتها على اتخاذ قرارات الحرب والسلم. فاستمرار امتلاك جماعات مسلحة القدرة على تنفيذ عمليات مستقلة عن القرار الحكومي يمكن أن يضع بغداد أمام أزمات متكررة مع دول الجوار، ويزيد مخاطر انجرار العراق إلى حروب إقليمية لا يريدها.

وتزداد أهمية هذا الملف مع ارتفاع التوترات الإقليمية. فكلما توسعت المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائها، أصبح العراق أكثر عرضة للضغط من مختلف الأطراف.

خطورة المرحلة المقبلة تكمن في أن فشل التفاوض قد ينقل الخلاف من المستوى السياسي إلى المستوى الأمني.

وتخشى بغداد أن تتحول الفصائل المسلحة إلى أداة لتوسيع أي مواجهة إقليمية داخل الأراضي العراقية، بينما تخشى الفصائل في المقابل أن يؤدي الضغط على سلاحها إلى إضعاف قدرتها على الردع في بيئة إقليمية لا تزال مضطربة.

وأما واشنطن، فتبدو معنية بإعادة صياغة العلاقة الأمنية مع بغداد على أساس مختلف عن المرحلة السابقة. فانسحاب القوات الأميركية لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ الأميركي أو التعاون الأمني، لكنه يفرض على الحكومة العراقية أن تثبت قدرتها على السيطرة على أراضيها ومنع أي جماعة مسلحة من استخدام البلاد لشن هجمات على المصالح الأميركية أو حلفائها.

ومن هنا تصبح معادلة «السلاح مقابل الانسحاب» أكثر من مجرد خلاف سياسي عراقي؛ فهي جزء من إعادة ترتيب العلاقة بين بغداد وواشنطن، وكذلك من إعادة توزيع مراكز القوة داخل العراق. فإذا حصلت الحكومة على انسحاب أميركي واضح وضمانات أمنية، فقد يصبح من الأسهل إقناع الفصائل بخطوات تدريجية نحو حصر السلاح. أما إذا بقيت الضمانات غامضة، فقد تتمسك الفصائل بمواقفها وتعتبر التخلي عن جزء من قدراتها الأمنية مخاطرة استراتيجية.

وتكمن خطورة المرحلة المقبلة في أن فشل التفاوض قد ينقل الخلاف من المستوى السياسي إلى المستوى الأمني.

ولهذا تبدو دعوات الحوار والتنسيق بين الحكومة وقادة الفصائل أكثر أهمية من أي وقت مضى، خصوصاً أن أي مواجهة داخلية لن تؤدي فقط إلى إضعاف الدولة، بل قد تمنح القوى الإقليمية والدولية فرصة أكبر للتدخل في الشأن العراقي.

وفي النهاية، يواجه العراق اختباراً مزدوجاً: كيف يضمن خروج القوات الأجنبية ويحافظ على سيادته، وفي الوقت نفسه كيف يرسخ احتكار الدولة للسلاح من دون الدخول في مواجهة مع القوى المسلحة التي تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً كبيراً.

وبينما ترى الحكومة أن بناء دولة قوية يتطلب توحيد قرار السلاح، ترى الفصائل أن هذا المسار يجب أن يأتي بعد استكمال الانسحاب الأميركي وبناء منظومة دفاع عراقية قادرة على حماية البلاد.

ولذلك فإن معادلة "السلاح مقابل الانسحاب" قد تكون بداية لتسوية سياسية جديدة إذا نجحت بغداد في تحويلها إلى مسار تفاوضي متدرج، لكنها قد تتحول إلى مصدر انقسام خطير إذا حاول أي طرف فرض رؤيته بالقوة.

وفي الحالتين، يبدو أن مستقبل السلاح في العراق لم يعد ملفاً داخلياً معزولاً، بل أصبح أحد المفاتيح الرئيسية التي ستحدد شكل الدولة العراقية وعلاقاتها الإقليمية والدولية في المرحلة المقبلة.