السعودية تهيئ الأرضية لإحلال السلام في السودان

تأثير سعودي محتمل لإقناع قيادة الجيش السوداني بالجنوح إلى التسوية
الثلاثاء 2025/12/16
مساع سعودية لا تهدأ لإحلال السلام الإقليمي

الرياض- في خضم التصعيد العسكري المستمر في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، برزت المملكة العربية السعودية كلاعب محوري يسعى إلى تهيئة الأرضية لإحلال السلام في البلاد، وهو مسار يكتسب أهمية استراتيجية إقليمية ودولية.

وجاءت زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إلى الرياض ولقاؤه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتصاعد المعارك في ولايات إقليم كردفان الثلاث ودارفور، وتدفع عشرات الآلاف من المدنيين إلى النزوح داخلياً وخارجياً، ما يفاقم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وكان اللقاء، الذي عُقد في قصر اليمامة، حافلاً بدلالاته السياسية والدبلوماسية. فقد حضره كبار المسؤولين السعوديين، بما في ذلك وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، ووزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، ومستشار الأمن الوطني مساعد بن محمد العيبان، إلى جانب وزير المالية محمد الجدعان والسفير السعودي لدى السودان علي حسن جعفر.

ويعكس هذا الحضور الواسع جدية المملكة في تناول الملف السوداني ليس كأزمة مؤقتة، بل كقضية شاملة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

ويبدو أن الهدف الأساسي من هذه المشاركة الواسعة هو تحويل جهود الوساطة التقليدية إلى مسار تأثير مباشر وفعّال على أطراف الصراع، خصوصاً على قيادة الجيش السوداني.

وتأتي هذه الجهود السعودية في وقت حرِج، حيث يشهد السودان انقساماً واضحاً في السيطرة على الأراضي: فالقوات المسلحة تسيطر على معظم الولايات الـ13، بما فيها العاصمة الخرطوم، بينما تهيمن قوات الدعم السريع على ولايات دارفور الخمس، باستثناء أجزاء من شمال دارفور التي لا تزال تحت نفوذ الجيش.

ويجعل هذا التوازن الهش أي تسوية سياسية عرضة للانهيار ما لم يقترن بتدخل خارجي فعال، يمكنه ضمان التزام الأطراف بالمفاوضات ووقف التصعيد.

وفي هذا الإطار، يبرز النفوذ السعودي المحتمل على قيادة الجيش كعنصر أساسي لزيادة فرص الجنوح نحو التسوية، إذ تمتلك المملكة القدرة على تقديم ضمانات سياسية وأمنية تشجع على تبني مقترحات السلام.

ومن الناحية الدبلوماسية، حرصت المملكة على تنسيق جهودها مع الانخراط الأميركي المباشر، حيث أشاد المسؤولون السودانيون بتقديرهم لدور الرئيس الأميركي دونالد ترامب في هذا الملف، والتعاون مع السعودية لتقديم الدعم اللازم لإعادة مسار السلام إلى الواجهة.

وقد أكد وكيل وزارة الخارجية السودانية معاوية عثمان على أن الزيارة كانت “ودية وناجحة”، وأنها تناولت “مسار العلاقات الثنائية بين البلدين والسبل الكفيلة بتطويرها والارتقاء بها إلى آفاق أرحب عبر شراكة استراتيجية مستدامة”، وهو ما يعكس إدراك الخرطوم لأهمية الرعاية السعودية–الأميركية في استقرار السودان.

ولا تقتصر جهود السعودية لتهيئة الأرضية لإحلال السلام على الحوار السياسي فحسب، بل تشمل أيضاً خلق بيئة مناسبة لإعادة بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة. فاللقاءات المباشرة، والمشاورات المستمرة، وتقديم المشورة الفنية والسياسية، تهدف إلى إزالة العراقيل أمام أي عملية تفاوضية مستقبلية.

كما تعمل الرياض على ضمان أن يكون الجيش السوداني شريكاً فاعلاً في أي اتفاق، مستفيداً من نفوذها الدبلوماسي وقدرتها على تقديم حوافز سياسية وأمنية، الأمر الذي يزيد من احتمال التزامه بالتسوية وموافقته على التنازلات اللازمة لإنهاء الحرب.

ومن زاوية تأثير السعودية على قيادة الجيش السوداني، يظهر أن للمملكة قدرة ملموسة على توجيه المواقف وإقناع القادة العسكريين بالجنوح إلى خيارات سلمية، لا سيما في ظل الضغوط الداخلية والخارجية التي يواجهها الجيش. فالقادة العسكريون يدركون أن استمرار النزاع لا يصب إلا في تعقيد الوضع السياسي والأمني والاقتصادي، ويزيد من معاناة المدنيين، ما قد يضر بمكانتهم واستقرار مؤسسات الدولة على المدى الطويل.

ويتيح توظيف المملكة لنفوذها في هذا الصدد للجيش مساحة لإعادة تقييم مواقفه من التسوية، بما يقلل من المقاومة الداخلية لأي مبادرات سلام.

وتعكس تصريحات البرهان تقديره للدور السعودي في جهود السلام، إذ أكد “شكر السودان وتقديره للجهود الكبيرة والقيمة التي يبذُلها ولي العهد وحكومتُه الرشيدة من أجل تحقيق السلام والاستقرار في السودان”. كما أشاد

توظيف المملكة لنفوذها يتيح للجيش مساحة لإعادة تقييم مواقفه من التسوية، بما يقلل من المقاومة الداخلية لأي مبادرات سلام.

البرهان بـ”رؤية ولي العهد الحكيمة ونظرته الشاملة لبسط السلام والاستقرار في المنطقة كلها، وتعزيز التعاون الاقتصادي وتحقيق الشراكات الاستراتيجية بين شعوبها”، ما يوضح أن القيادة السودانية ترى في المملكة شريكاً رئيسياً يمكن الاعتماد عليه لضمان استمرارية جهود السلام.

كما أن التحركات السعودية تمثل دعماً غير مباشر للجهود الأميركية، خصوصاً بعد إعلان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تولي ترامب شخصياً ملف إنهاء الحرب في السودان.

وتمنح هذه الشراكة السعودية–الأميركية أي تسوية محتملة زخماً دولياً، وتوفر ضمانات تنفيذية للأطراف السودانية، بما يرفع احتمالات الالتزام بالاتفاق ويحد من مخاطر الانهيار المبكر لأي تسوية.

وعلى الصعيد الميداني، لا تزال التحديات كبيرة، فالقتال في ولايات كردفان ودارفور مستمر، والنزوح المدني واسع النطاق، ما يزيد من تعقيد أي مفاوضات ويضع الضغوط الإنسانية على رأس أولويات الوسيطين السعودي والأميركي.

ومن هنا، تبدو الرؤية السعودية مركزة على إدارة الأزمة بطريقة متدرجة: أولاً الحد من التصعيد العسكري ووقف الزحف نحو الكوارث الإنسانية، وثانياً خلق أرضية سياسية تؤدي إلى اتفاق مستدام، وثالثاً ضمان أن يكون الجيش السوداني شريكاً نشطاً في أي عملية سلام، ما يعزز فرص استقرار طويل المدى.

وتعمل المملكة العربية السعودية على مسارين متوازيين: الأول، تهيئة الأرضية السياسية والدبلوماسية لإحلال السلام في السودان من خلال الحوار، والمشاورات، والتنسيق الدولي، والثاني، ممارسة نفوذ محتمل على قيادة الجيش السوداني لإقناعها بالجنوح نحو التسوية، بما يضمن الحد من التصعيد واستعادة الاستقرار. ويظل نجاح هذه الجهود مرهوناً بمدى استعداد الأطراف السودانية للتعاون، وبقدرة المملكة على ترجمة نفوذها السياسي إلى تأثير عملي على الأرض، ضمن إطار شراكة استراتيجية مع المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، ما قد يفتح الطريق لإخراج السودان من دوامة الحرب المستمرة وتحقيق السلام المنشود.