السعودية تنتقل من الاستثمار إلى صناعة القوة
الرياض - تدخل السعودية مرحلة جديدة من مشروع التحول الذي أطلقته «رؤية 2030»، تبدو فيها الأولوية أقل ارتباطاً بمجرد ضخ الأموال في المشاريع العملاقة، وأكثر اتصالاً بتحقيق العائد، وتعظيم القيمة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية وأمنية قادرة على إنتاج النفوذ بصورة مستدامة.
ويبرز نشر استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة 2026–2030 باعتباره أحد أوضح المؤشرات على هذا التحول، إذ يعلن الصندوق صراحة انتقاله من مرحلة النمو المتسارع إلى مرحلة تحقيق القيمة.
ولا تبدو المسألة مجرد إعادة ترتيب داخل مؤسسة مالية ضخمة، بل تعكس تحولاً أوسع في طريقة إدارة السعودية لمصادر قوتها. فالصندوق الذي كان خلال السنوات الماضية محركاً رئيسياً للتوسع الاقتصادي والمشاريع الجديدة، يتجه الآن إلى دور أكثر نضجاً، يقوم على إدارة الأصول الاستراتيجية، وتعظيم العوائد طويلة الأجل، وتحسين كفاءة رأس المال، وإشراك القطاع الخاص بصورة أكبر.
وتقوم استراتيجية الصندوق الجديدة على سبعة أهداف رئيسية، من بينها تعظيم العوائد المالية المعدلة حسب المخاطر، وتعزيز مصادر التمويل، وإدارة الأصول الاستراتيجية، ورفع كفاءة المحافظ، وتعزيز سلاسل القيمة المحلية. كما يضع الصندوق الذكاء الاصطناعي والبيانات ضمن أدوات تحسين التنفيذ والحوكمة والكفاءة.
والأهم أن الاستراتيجية تقسم الاستثمارات إلى ثلاث محافظ رئيسية: محفظة الرؤية، والمحفظة الاستراتيجية، والمحفظة المالية، فيما تركز محفظة الرؤية على تطوير ست منظومات اقتصادية محلية.
بهذا المعنى، يبدو أن الرياض تريد الانتقال من نموذج يقوم على أن الدولة تضخ رأس المال لتأسيس قطاعات جديدة، إلى نموذج تصبح فيه الدولة مستثمراً ومُمكّناً لمنظومات اقتصادية يستطيع القطاع الخاص توسيعها وتشغيلها وتحقيق القيمة منها.
وهذا التحول يكتسب أهمية خاصة في مرحلة أصبحت فيها تكلفة المشاريع العملاقة وكفاءة الإنفاق محل اهتمام أكبر. فقد كشفت تقارير حديثة عن إعادة ترتيب بعض المشاريع التابعة للصندوق، بما في ذلك تغييرات في قيادة مشروع «نيوم» ومشروع «نيو مربّع»، في مؤشر على أن المرحلة المقبلة قد تشهد تشديداً أكبر على الأولويات والتكاليف والعوائد.
صندوق الاستثمارات، والتحول الرقمي، وتوسيع الشراكات الدفاعية تعكس انتقال الرياض من بناء النفوذ إلى إدارة منظومة قوة متعددة الأدوات
لكن التحول السعودي لا يتوقف عند المال. ففي اليوم السابق لنشر هذه التطورات، أطلقت الرياض «الحي الرقمي» بهدف تحويل العاصمة إلى مركز عالمي للمواهب التقنية والإبداع الرقمي، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والأمن السيبراني والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء وسلاسل الكتل والروبوتات والطائرات من دون طيار.
وتكشف هذه الخطوة عن إدراك سعودي متزايد بأن المنافسة الاقتصادية المقبلة لن تُحسم فقط بحجم رأس المال أو إنتاج النفط، وإنما بالقدرة على امتلاك التكنولوجيا والبيانات والمواهب وسلاسل القيمة المرتبطة بها.
ومن هنا تتقاطع استراتيجية الصندوق مع المشروع الرقمي للرياض: رأس المال يمول بناء المنظومات، والتكنولوجيا ترفع إنتاجيتها، والقطاع الخاص يوسع نطاقها. وهي معادلة تختلف عن المرحلة الأولى من رؤية 2030 التي ركزت بصورة أكبر على إطلاق المشاريع الكبرى وتغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة.
وفي موازاة التحول الاقتصادي والتقني، تتحرك السعودية أيضاً لتوسيع أدواتها الأمنية والدفاعية. فالمملكة تعمل على تعزيز حضورها في أمن الملاحة والدفاع البحري، في وقت بات فيه أمن الخليج والبحر الأحمر وممرات الطاقة جزءاً مركزياً من حسابات الأمن الإقليمي.
وكانت الرياض قد طرحت إنشاء تحالف متعدد الجنسيات للدفاع البحري، مع بحث دور السعودية كدولة مؤسسة وقائدة واستضافة مقر التحالف في الرياض.
كما تكتسب الشراكات الدفاعية بعداً أوسع، إذ لم تعد المملكة تتعامل مع الأمن باعتباره ملفاً عسكرياً منفصلاً عن الاقتصاد. أمن طرق التجارة والطاقة، وحماية البنية التحتية، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الدفاعية، كلها أصبحت حلقات في منظومة واحدة.
ويظهر ذلك أيضاً في الموقف السعودي من أزمة مضيق هرمز، حيث شددت الرياض وباريس على حرية الملاحة وانتظام حركة الشحن ورفض القيود على عبور السفن، بما يعكس ارتباط أمن الطاقة والتجارة مباشرة بالمصالح الاقتصادية السعودية.
المشهد الذي يتشكل إذاً يتجاوز فكرة «السعودية الجديدة» بوصفها اقتصاداً أقل اعتماداً على النفط. فالمملكة تعمل على بناء منظومة قوة متعددة الأدوات: صندوق سيادي ضخم، وقطاع خاص أكثر حضوراً، واقتصاد رقمي، وقدرات تقنية، وشراكات دفاعية، ودور متزايد في أمن الممرات البحرية.
واللافت أن هذه الأدوات لم تعد تتحرك بصورة منفصلة. فالاستثمار الخارجي يمكن أن يفتح أسواقاً وشراكات، والتكنولوجيا تعزز الاستقلالية الاقتصادية والأمنية، والقوة المالية تمنح الرياض قدرة أكبر على التحرك في الأزمات، بينما توفر الشراكات الدفاعية مظلة لحماية المصالح التجارية والاستثمارية.
لذلك يمكن قراءة استراتيجية صندوق الاستثمارات 2026–2030 باعتبارها أكثر من خطة مالية لخمس سنوات. إنها تعبير عن انتقال السعودية إلى مرحلة إدارة القوة بعد مرحلة بناء القوة.
فإذا كانت السنوات الماضية قد انشغلت بالسؤال: ماذا تستطيع السعودية أن تبني بأموالها؟ فإن المرحلة المقبلة تبدو أقرب إلى سؤال مختلف: كيف تحول السعودية ما بنته إلى نفوذ وعائد وقوة مستدامة؟