السعودية تجهز درعاً تأمينياً حكومياً ضد الحرب لحماية صادراتها النفطية
الرياض- أجرت السعودية محادثات مع وسطاء في لندن حول برنامج مدعوم من الدولة لتأمين مخاطر الحرب والمخاطر السياسية، والذي قد يوفر تغطية للسفن في المنطقة، وفقًا لمصادر مطلعة على المناقشات، في ظل تهديد الصراع لتجارة المملكة.
ورفعت شركات التأمين أسعارها وقلّصت تغطيتها للسفن والبنية التحتية والبضائع، كالنفط والمواد الكيميائية، في الأشهر الأخيرة، نتيجةً للحرب مع إيران وتصعيد الحوثيين حملتهم ضد السعودية.
وفي بعض الحالات، رفضت شركات التأمين بيع تأمين الحرب للسفن التي تسعى للتجارة عبر ممرات ملاحية حيوية، بما فيها البحر الأحمر، الذي أصبح ميناء ينبع فيه شريانًا حيويًا لصادرات المملكة النفطية منذ إغلاق مضيق هرمز.
وقد بحثت وزارة المالية السعودية خطةً تُمكّن السفن وأصول الشحن البحري من الحصول على تأمين أرخص من خلال ما يُسمى "مجمعًا"، يُقدّم تغطية تجارية تصل إلى 700 مليون ريال سعودي (186 مليون دولار أميركي) لكل حادث مؤمّن عليه، كاحتجاز سفينة أو هجوم صاروخي، وفقًا لمصادر مطلعة على المفاوضات.
وأوضحت المصادر لصحيفة فايننشال تايمز أن شركات التأمين وإعادة التأمين ستُقدّم الطبقات الأولى من التغطية التأمينية، بينما ستُتاح مئات الملايين من الدولارات الإضافية لكل جهة مؤمّنة من خلال ضمانة يوفرها البنك السعودي للتصدير والاستيراد المملوك للدولة.
في إحدى نسخ الخطط التي نوقشت، يقترح النظام الجديد أن تتولى شركات التأمين وإعادة التأمين الخاصة تغطية الشرائح الأولى من المخاطر، بينما يقدم البنك السعودي للصادرات والواردات، المملوك للدولة، ضماناً إضافياً بمئات الملايين من الدولارات في حال تجاوزت الخسائر حداً معيناً. ومن بين السيناريوهات المطروحة، أن تقود شركتا إعادة التأمين "سعودي ري" و"الرياض ري" تحالفاً قد يضم مجموعات دولية، بهدف تقديم تغطية أوسع تشمل الحرب وأعمال العنف السياسي والإرهاب، وهي مخاطر كانت تؤمن عادة بشكل منفصل وبأسعار مرتفعة.
ويهدف هذا التوجه إلى خفض تكلفة التأمين البحري بشكل ملموس، بما يحافظ على تنافسية الصادرات السعودية ويدعم استمرارية التجارة في أوقات الأزمات. ففي السنوات الأخيرة، شهدت أسعار تأمين مخاطر الحرب ارتفاعات تجاوزت في بعض الحالات 100%، وتحولت بعض المناطق إلى "مناطق مدرجة" تتطلب إشعارات إضافية وتغطيات خاصة، مما زاد العبء على شركات الشحن والمصدرين.
ومن خلال تدخل الدولة كضامن أخير، تسعى الرياض إلى سد الفجوة التي خلفها انسحاب بعض المعيدين الدوليين أو تشددهم في الشروط، مع الاستفادة من قدرات السوق المحلية في إعادة التأمين
يمثل هذا المشروع امتداداً لاستراتيجية أوسع تهدف إلى تمكين قطاع التأمين السعودي من تغطية المخاطر الوطنية، بما يتماشى مع أهداف رؤية 2030 في رفع مساهمة التأمين في الناتج المحلي وتعزيز الحماية للقطاعات الحيوية. فالتأمين ضد مخاطر الحرب ليس مجرد أداة مالية، بل هو آلية استراتيجية لضمان استمرارية الصادرات النفطية التي تشكل عماد الاقتصاد، وحماية الاستثمارات في الموانئ والبنى التحتية اللوجستية. ومع تحول ميناء ينبع إلى نقطة محورية بديلة، يصبح توفير تغطية موثوقة وبأسعار معقولة أمراً ضرورياً لتجنب انقطاع الإمدادات العالمية للطاقة.
:وقالت مصادر مطلعة ‘ن المحادثات حول البرنامج، بما في ذلك الشروط وحجم المخاطر التي تتحملها الحكومة السعودية، لا تزال جارية وقد لا تُفضي إلى اتفاق.
وتأتي هذه المناقشات بعد مبادرة أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق من هذا العام لدعم تأمين السفن الراغبة في عبور المضيق، والتي حظيت بدعم من شركتي التأمين تشب وإيه آي جي. وكان من المقرر أن يوفر البرنامج تغطية تأمينية تصل إلى 40 مليار دولار، لكنه لم يُصدر أي تغطية تأمينية بعد أشهر من إطلاقه، وفقًا لما ذكرته صحيفة فايننشال تايمز سابقًا.
وأصبحت شركات التأمين أكثر حذرًا تجاه السفن المرتبطة بالسعودية في الأشهر الأخيرة، عقب هجمات الحوثيين في اليمن، حيث باتت هذه السفن تُعامل معاملة الأصول الإسرائيلية والأميركية عالية المخاطر.
وعادةً ما تُنشئ الحكومات صناديق تأمين بعد تكبّد خسائر فادحة أو مواجهة تهديدات خطيرة مستمرة تجعل التأمين التجاري باهظ التكلفة أو غير متاح للشركات.
على سبيل المثال، أنشأت كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة برامج إعادة تأمين ضد الإرهاب مدعومة من الدولة، عقب حملة تفجيرات الجيش الجمهوري الأيرلندي وهجمات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك على التوالي.
يهدف البرنامج الذي درسته السعودية مؤخرًا إلى خفض تكاليف التأمين ومساعدة مالكي السفن والشركات الأخرى على الحصول على تغطية أشمل، بما في ذلك تغطية الحرب والعنف السياسي والإرهاب، والتي غالبًا ما تُباع بشكل منفصل.
يقول ماكسيميليان هيس، مؤسس شركة إنميتينا للاستشارات في مجال المخاطر السياسية "لا يزال الحصول على التغطية التأمينية ممكنًا في المنطقة، ولا أرى أن السوق يمر بأزمة". لكنه أضاف أن إنشاء صندوق تأمين مشترك قد يساعد في "ضمان استمرار توفر التأمين بأسعار تجارية مناسبة لا تؤثر بشكل كبير على جدوى المشروع الاقتصادية وقرارات الاستثمار النهائية".
وقال "الخطوط الفاصلة بين الحرب المباشرة والإرهاب المباشر في المنطقة غير واضحة. هل هجمات الحوثيين حادثة حرب أم عمل إرهابي؟ لضمان حصولك على تغطية تأمينية كافية الآن، قد تحتاج إلى تغطية أوسع".