الرحلات الإيرانية إلى صنعاء.. بوابة نفوذ تعيد إشعال التوتر في اليمن

عودة الطيران الإيراني تثير مخاوف من تعزيز الحضور الإيراني في اليمن.
الأحد 2026/07/19
معركة السيطرة على القرار اليمني تتجدد

مع عودة الطيران الإيراني إلى واجهة المشهد، يتجدد الخلاف بين الحكومة اليمنية والحوثيين حول الجهة التي تملك حق إدارة مطار صنعاء وتنظيم الرحلات الدولية، في تطور يعكس تداخل الحسابات المحلية مع التنافس الإقليمي المتصاعد في البحر الأحمر.

صنعاء- أعادت الرحلات الجوية الإيرانية إلى مطار صنعاء الدولي إشعال التوتر بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا وجماعة الحوثي المدعومة من طهران، بعدما منعت السلطات اليمنية، الأحد، طائرة تابعة لشركة “ماهان” الإيرانية من مواصلة رحلتها إلى العاصمة اليمنية، في خطوة تعكس تصاعد الخلاف حول الجهة التي تملك قرار إدارة الأجواء والمطارات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وأعلنت الحكومة اليمنية أن الطائرة الإيرانية اضطرت إلى العودة قبل وصولها إلى صنعاء، بعدما تبين أنها لم تستكمل الإجراءات الرسمية ولم تحصل على التصاريح المطلوبة، مؤكدة تمسكها بأن أي رحلة جوية إلى الأراضي اليمنية يجب أن تمر عبر القنوات الرسمية المعتمدة.

ولا تنظر الحكومة اليمنية إلى هذه الرحلات باعتبارها مجرد نشاط مدني، بل ترى فيها محاولة لإعادة تثبيت النفوذ الإيراني داخل اليمن عبر بوابة النقل الجوي، خصوصا أن شركة “ماهان” ارتبط اسمها سابقا بشبكات نقل ودعم مرتبطة بإيران، ما يجعل استئناف رحلاتها إلى صنعاء محملا بحسابات سياسية وأمنية تتجاوز الأبعاد الإنسانية واللوجستية.

في ظل استمرار الانقسام اليمني، يبدو أن مطار صنعاء سيظل إحدى أبرز ساحات الصراع، حيث تتقاطع فيه اعتبارات السيادة الداخلية مع حسابات النفوذ الإقليمي

في المقابل يتمسك الحوثيون بأن مطار صنعاء منفذ سيادي يخضع لإدارتهم في المناطق التي يسيطرون عليها، ويقدمون الرحلات الإيرانية باعتبارها جزءا من الترتيبات الإنسانية الخاصة بنقل المرضى والعالقين، رافضين الاعتراف بإجراءات الحكومة اليمنية التي يعدونها امتدادا للضغوط المفروضة عليهم.

ولطالما شكل مطار صنعاء أحد أكثر الملفات حساسية في الحرب اليمنية، إذ تحول من منشأة مدنية إلى ورقة نفوذ تستخدمها الأطراف المتصارعة لتعزيز شرعيتها وترسيخ سيطرتها على حركة الدخول والخروج من البلاد.

وتأتي أزمة الرحلات الإيرانية بعد أيام من إعلان الحكومة اليمنية منع طائرة أخرى تابعة لشركة “ماهان” من الهبوط في مطار صنعاء، في تصعيد أعاد تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وطهران، وعلى محاولات كل طرف فرض روايته بشأن إدارة المؤسسات الواقعة تحت سيطرة الجماعة.

وترى الحكومة أن السماح برحلات جوية من دون موافقتها يمثل انتهاكا لسيادة الدولة ومحاولة لتكريس واقع منفصل في صنعاء، بينما يعتبر الحوثيون هذه الإجراءات محاولة لخنق مناطق سيطرتهم سياسيا واقتصاديا.

ويكشف هذا الخلاف أن ملف الطيران المدني أصبح جزءا من الصراع الأوسع حول مستقبل السلطة في اليمن، ولم يعد مجرد قضية تنظيمية تتعلق بالتراخيص أو حركة الطائرات.

وتكتسب الرحلات الإيرانية أهمية خاصة بسبب توقيتها، إذ تأتي في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتصاعد المواجهة بين طهران وخصومها، ما يجعل أي نشاط إيراني في اليمن محل متابعة وقلق من جانب الحكومة اليمنية وحلفائها.

الحوثيون يقدمون الرحلات الإيرانية باعتبارها جزءا من الترتيبات الإنسانية الخاصة بنقل المرضى والعالقين

وكانت رحلة “ماهان” التي حاولت الوصول إلى صنعاء أول رحلة إيرانية معلنة إلى مطار العاصمة اليمنية منذ نحو عقد، وفقا لوسائل إعلام يمنية، وهو ما اعتبرته الحكومة مؤشرا على محاولة إعادة فتح قنوات مباشرة بين إيران والحوثيين بعد سنوات من القيود المفروضة على الحركة الجوية.

وترى أوساط يمنية أن عودة الطيران الإيراني قد تكون جزءا من مسعى أوسع لتعزيز العلاقة بين طهران والحوثيين، سواء عبر الدعم السياسي أو توسيع قنوات التواصل المباشر، ولاسيما في ظل المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة.

في المقابل يؤكد الحوثيون أن الرحلات ذات طابع إنساني، وأنها تستهدف نقل المرضى والعالقين، إضافة إلى تسهيل حركة الوفود الرسمية، معتبرين أن منعها يمثل استهدافا للسكان في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

وتضع أزمة الطائرات الإيرانية الحكومة اليمنية أمام تحد يتعلق بقدرتها على فرض سلطتها على المجال الجوي والمطارات، في وقت لا تزال فيه السيطرة على الأرض موزعة بين أطراف عدة.

ويحاول مجلس القيادة الرئاسي اليمني الحفاظ على موقف متوازن، إذ أكد رفضه لأي انتهاك للأجواء اليمنية أو فرض أمر واقع في مطار صنعاء، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم توسيع المواجهة بما قد يدفع اليمن إلى الانخراط في صراع إقليمي أوسع.

ويعكس هذا الموقف إدراكا لحساسية المرحلة، إذ تخشى الحكومة أن يتحول ملف الرحلات الإيرانية إلى نقطة اشتعال جديدة تربط الساحة اليمنية مباشرة بالتوترات بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها.

ولا تنفصل أزمة الطيران الإيراني إلى صنعاء عن الصراع الأوسع على النفوذ في البحر الأحمر ومحيطه، حيث يمثل اليمن موقعا إستراتيجيا مهما بالنسبة إلى طهران، بالنظر إلى قربه من طرق الملاحة الدولية ومضيق باب المندب.

الحكومة اليمنية لا تنظر إلى هذه الرحلات باعتبارها مجرد نشاط مدني، بل تثبيتا للنفوذ الإيراني عبر بوابة النقل الجوي

وتنظر قوى إقليمية ودولية إلى أي تعزيز للحضور الإيراني في اليمن باعتباره عاملا قد يؤثر في أمن الملاحة والتوازنات الأمنية في المنطقة، خصوصا مع استمرار الحوثيين في لعب دور مؤثر في معادلات الصراع الإقليمي.

ومن ثم، فإن الخلاف حول رحلة جوية أو طائرة يتجاوز أبعاده الإجرائية، ليطرح سؤالا سياسيا يتعلق بمن يملك القرار السيادي في اليمن، ومن يحدد طبيعة علاقاته الخارجية، وما إذا كانت المؤسسات الرسمية قادرة على استعادة دورها في إدارة شؤون البلاد.

وفي ظل استمرار الانقسام اليمني، يبدو أن مطار صنعاء سيظل إحدى أبرز ساحات الصراع، حيث تتقاطع فيه اعتبارات السيادة الداخلية مع حسابات النفوذ الإقليمي. ولم تعد الرحلات الإيرانية مجرد حركة نقل جوي، بل تحولت إلى اختبار جديد لموازين القوى بين الحكومة اليمنية والحوثيين، وإلى مؤشر على اتجاه العلاقة بين صنعاء وطهران في مرحلة إقليمية تتسم بارتفاع منسوب التنافس الإستراتيجي.

2