الدبيبة والفساد… والاحتجاجات

الصراع على السلطة في ليبيا هو صراع على مسالك الفساد ونهب المال العام، إذ ليس هناك من يقنع بما نهب، أو يشبع من السحت الذي جمعه من قوت الليبيين.
الاثنين 2026/08/03
حان الوقت لمغادرة الكرسي

ما يحدث هذه الأيام في غرب ليبيا قد لا يكون عاديًا، ولكنه نتيجة حتمية للأوضاع المتردية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا التي تواجهها البلاد من دون أي جهد حقيقي لتجاوز الأزمة ومغادرة مربع عبث السلطة وفوضى القرار ونهب المال العام. المطالبة بالإطاحة بحكومة عبدالحميد الدبيبة ليست جديدة، لكنها هذه المرة تتخذ بعدًا مختلفًا يتعلق بوجود تيار من داخل السلطة القائمة نفسها يعمل على إسقاط الحكومة بما يساعد على تهيئة الظروف الملائمة لتشكيل حكومة جديدة وفق الخطة الأميركية التي يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس ترامب للشؤون العربية والأفريقية. خلال الأسابيع الماضية تحرك الدبيبة مع فريقه لقطع الطريق أمام أية محاولة لتفعيل الخطة إن لم تتوفر له الضمانات بالبقاء على رأس الحكومة.

الدبيبة الذي جاء إلى السلطة في مارس 2021 ليشرف على إدارة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كانت ستنتظم تحت إشراف الأمم المتحدة في ديسمبر من العام ذاته، والذي أكد الاتفاق السياسي على أن عمر حكومته لن يتجاوز في أقصى الحالات 18 شهرًا، قضى إلى حد الآن أكثر من خمس سنوات كرئيس لمجلس الوزراء وهو يطمح إلى سنوات أخرى، ولا يخفي رغبته في البقاء 20 عامًا في المنصب ذاته، لاسيما وأن جذوره قد تمددت في مختلف المؤسسات المالية والاستثمارية الكبرى، وتحالفاته توطدت مع الميليشيات والجماعات المسلحة الأكثر تأثيرًا وخاصة في طرابلس ومصراتة والزاوية، وعلاقاته الخارجية أصبحت أعمق وأوثق مع قادة وزعماء الدول الإقليمية ومع العواصم العالمية الكبرى والشركات الكبرى، وخاصة تلك المرتبطة بعالم الطاقة التي عرف كيف يلاعبها بالعقود والاتفاقيات المربحة.

 في العادة، وكلما شعر الدبيبة بوجود مخاطر تحدق بكرسيه وامتيازاته كان يعرف كيف يخلط الأوراق بالشكل الذي يضمن له الاستمرارية. علينا أن نعترف بأن الرجل يمتلك فريقًا من المستشارين المهمين سواء كانوا ظاهرين في الصورة أو اختاروا البقاء خارجها لتلافي الحرج. ومن وراء ذلك نجح في كسب علاقات إقليمية ودولية كثيرًا ما تساعده على فرض رؤيته وتحقيق أهدافه والإطاحة بمخططات أعدائه ومنافسيه ومن يطرحون أنفسهم بدلاء عنه خلال المرحلة القادمة. إذا رأيتم الدبيبة يغادر في اتجاه هذه الدولة أو تلك فلأنه يسعى إلى الحصول على دعم قادتها بأن يتوسطوا له مع واشنطن بالذات التي يدرك أنها صاحبة القرار النهائي عندما يتعلق الأمر بالوضع في ليبيا.

عبدالحميد الدبيبة تجاوز المدة المحددة لحكومته ومدّد سلطته عبر تحالفات مع الميليشيات والمؤسسات المالية وأصبح بقاؤه مرتبطًا بشبكات فساد ونهب المال العام

ما حدث في طرابلس قبل أيام كان اختبارًا لحكومة الدبيبة. والقوى التي وقفت وراءه حاولت من خلاله إقناع الرأي العام الدولي والعواصم الغربية وعلى رأسها واشنطن بأن المهندس عبدالحميد لم يعد له ما يقدمه من موقعه كرئيس للحكومة، وهو بعد خمس سنوات من توليه المنصب لم ينجح في تحقيق أي هدف من الأهداف التي وعد بها بقدر ما ساعد فقط على تأبيد الأزمة واستبعاد الحل. من الذي كان يرغب في الإمساك بمقاليد الحكومة الموحدة المقترحة؟ المطلعون على كواليس السياسة الليبية يقولون إنه إبراهيم الدبيبة، وهو ابن أخت عبد الحميد من زوجها الحاج علي الدبيبة الذي يعد من صانعي السياسات المالية والاقتصادية والتنموية في ليبيا منذ ثمانينات القرن الماضي بفضل علاقاته الخاصة جدًا بالعقيد الراحل معمر القذافي.

لا يمكن فصل المسار السياسي والوظيفي للمهندس عبدالحميد عن الدور الكبير الذي لعبه الحاج علي، لكن عندما يتعلق الأمر بالسلطة والمال فإن كل الحسابات تضطرب والمصالح تتداخل والنفوس تتغير. خلال السنوات الماضية، كان إبراهيم الدبيبة بصفته مستشار الأمن القومي في طرابلس والمشرف على إدارة مصالح الأسرة بتكليف مباشر من والده، يقود مسارات الحوار مع قيادة الجيش في بنغازي ممثلة في شخص الفريق صدام حفتر نائب القائد العام حاليًا والمرشح لرئاسة المجلس الرئاسي وفق الخطة الأمريكية.

وعلى هذا الأساس التقى الرجلان في دول عدة كالإمارات وتركيا وإيطاليا، وتوصلا إلى الكثير من الاتفاقيات غير المعلنة بخصوص المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي والاستثمارات المشتركة. كانا يجتمعان كصديقين حميمين، وأحيانًا كشريكين في القرار، وربما كزعيمين في دولتين جارتين ترتبطان بعلاقات قوية وتطلعات نحو الوحدة. المهم دائمًا هو الحفاظ على المصالح المشتركة التي بات مستقبل البلاد متوقفًا عليها.

هناك من المراقبين من يقول بصوت عال إن تكليف إبراهيم بتشكيل الحكومة سيساهم في حلحلة الأزمة، وخاصة إذا اجتمع مع الفريق صدام بعد تكليفه برئاسة المجلس الرئاسي خلفًا لمحمد المنفي. كل ذلك لا يخفي حقيقة مهمة وهي أن الصراع على السلطة في ليبيا هو صراع على مسالك الفساد ونهب المال العام، إذ ليس هناك من يقنع بما نهب، أو يشبع من السحت الذي جمعه من قوت الليبيين.

الصراع في ليبيا ليس فقط على السلطة بل على مسالك الفساد، حيث تتداخل مصالح النخب السياسية والميليشيات مع القوى الإقليمية والدولية الطامعة بالثروات

خلال السنوات لم تكتف ليبيا بالتموقع بين أكثر خمس دول فسادًا في العالم، ولكن نخبها جرت القوى الإقليمية والدولية الفاعلة إلى مستنقع الفساد والحصول على نصيبها من مقدرات الدولة. النائب العام يقود حملة جهاز القضاء لمكافحة الفساد. أغلب المستهدفين هم من فاقدي الغطاء السياسي والاجتماعي، أغلبهم من المسؤولين السابقين أو الموظفين العاجزين عن تأمين أنفسهم، لكن كبار اللصوص غير معنيين بالملاحقة، وخاصة إذا كانوا من كبار الساسة وأصحاب القرار أو أمراء الحرب وقادة الميليشيات، أو ممن يحتكمون على ثروات ضخمة نهبوها من أموال الشعب، ولم يرفضوا ما تلقوه من عروض تتعلق بالتخلي عن نسبة مهمة من تلك الأرصدة لفائدة هذا الطرف أو ذاك. عادة ما يتم الاتصال بالشخص المستهدف ويطرح عليه الحل المناسب: تخلَّ عن المبلغ المذكور من جملة ما تملك لفائدة فلان وفلان، وسنتولى حل المشكلة وشطب اسمك من قوائم المطلوبين.

هناك الكثير من القصص التي يمكن أن تُروى على مسامع الليبيين الذين يدركون جيدًا أن الفاسدين يواجهون منافسة حادة في سلوكياتهم من المكلفين بمحاربة الفساد ومن المشرفين على الأجهزة الرقابية التي كان من المفترض أن تحمي أملاك الدولة وحقوق المجتمع.

ما شهدته ليبيا خلال الأيام الماضية كان محاولة لاستبدال الفوضى الأمنية بالفوضى الاجتماعية في إطار العمل على عرقلة أي حل سياسي، وربما من أجل التأكيد على أن الوقت حان لكي يغادر المهندس الدبيبة الكرسي قبل أن يُجبر على تركه، وعليه أن يدرك أن طموحاته لن تُغفر له، وخاصة عندما تصطدم بطموحات الآخرين ممن يعتقدون أنهم أولى منه بالمنصب وأجدر منه بامتيازات الحكم.

3