الخليج يراهن على تنافس كتلتين في سباق الذكاء الاصطناعي

الوضع يجعل الخليج "دول التأرجح" التي تستطيع استخراج مكاسب اقتصادية واستراتيجية من تنافس واشنطن وبكين، بدلاً من الانغلاق داخل كتلة واحدة محكمة.
الاثنين 2026/09/14
كيف تصنع فرصة

الرياض- يتوقع معظم المحللين والمتابعين لسباق الذكاء الاصطناعي العالمي انقسام العالم إلى كتلتين رئيسيتين: كتلة أميركية تقودها شركات مثل إنفيديا وأوبن.أي.إيه ومايكروسوفت وغوغل، مدعومة برقائق متقدمة ونماذج حدودية وبنية تحتية هائلة، وكتلة صينية تعتمد على نماذجها الخاصة وقدراتها الهندسية ومكدسها التكنولوجي المتكامل الذي ينافس بشكل متزايد.

وفي خضم هذا الاستقطاب، يبرز الخليج العربي، وخاصة السعودية والإمارات، كلاعب استثنائي يراهن على كلا الجانبين في آن واحد، مستغلاً مزاياه الجيوسياسية والاقتصادية ليصبح منطقة وسطى قادرة على استضافة المنظومتين.

وفي مؤتمر ليب بالرياض هذا الشهر، كشفت شركة "هيومين" المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة عن تقنية عربية مبنية على نموذج من شركة "ميني ماكس" الصينية. في الوقت نفسه، تبني السعودية بنية تحتية ضخمة للذكاء الاصطناعي بالشراكة مع شركات أميركية وباستخدام رقائق أميركية، حيث التزمت أمازون ويب سيرفيسز وحدها بـ5.3 مليار دولار لمراكز بيانات في المملكة.

ويُنظر إلى هذا التناقض الظاهري كاستراتيجية مدروسة: هيومين تبني بنيتها التحتية بتقنية أميركية وتوافق على عدم تدريب نماذج صينية حدودية على القدرات الحاسوبية الحاصلة على موافقات تصدير أميركية، لكنها تحافظ على علاقاتها مع الشركات الصينية مفتوحة.

تتعدد الأمثلة على هذا التوازن. ذراع السحابة التابعة لبايت دانس تبني بنية تحتية في الرياض، وحصلت تينسنت كلاود على رخصة تشغيل سعودية، وأنتجت لينوفو أول حاسوب محمول "صنع في السعودية". وفي الإمارات، رغم التزام جي42 بقطع علاقاتها التكنولوجية الحساسة مع الصين مقابل الوصول إلى رقائق إنفيديا وصفقة مايكروسوفت البالغة 1.5 مليار دولار، تظل أبوظبي تحافظ على روابط استثمارية وتجارية واسعة مع الصين، بل وتُطرح كمركز محتمل لشبكة الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر ضمن مجموعة بريكس.

تعود جذور هذه الاستراتيجية إلى حساب بسيط: الخليج يمتلك رأس المال الهائل، والطاقة الرخيصة والوفيرة، والأراضي الشاسعة، والمرونة الجيوسياسية التي اكتسبها عبر عقود من إدارة علاقات متوازنة مع القوى الكبرى في مجال الطاقة. فالسعودية والإمارات لا تحتاجان إلى استنساخ أي من المنظومتين الأميركية أو الصينية، بل تكمن قيمتهما في كونهما من الأماكن القليلة التي يمكن أن تعمل فيها الاثنتان معاً. وتسمح مشروعات مثل منشأة داتافولت البالغة قيمتها نحو مليار دولار وقدرتها 100 ميغاواط في نيوم، مع طموحات للتوسع إلى 360 ميغاواط، بتصدير القدرات الحاسوبية عالمياً دون الحاجة إلى اختراع أفضل رقاقة أو تدريب أفضل نموذج.

من جهة أخرى، انضمت الإمارات وقطر والبحرين إلى مبادرة "باكس سيليكا" الأميركية التي تهدف إلى تأمين سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي بعيداً عن الصين، في حين تبقى السعودية أكثر حذراً. وفي المقابل، تشارك دول خليجية في مبادرات صينية أو مرتبطة ببريكس. هذا الوضع يجعل الخليج "دول التأرجح" التي تستطيع استخراج مكاسب اقتصادية واستراتيجية من تنافس واشنطن وبكين على ولائها، بدلاً من الانغلاق داخل كتلة واحدة محكمة.

غير أن هذه الاستراتيجية لا تخلو من مخاطر. فالضغوط الأميركية تفرض شروطاً صارمة على الوصول إلى الرقائق المتقدمة، كما حدث مع جي42 التي اضطرت للتخلي عن معدات هواوي واستثمارات في شركات صينية. كما أن التوترات الإقليمية، بما في ذلك التداعيات الأمنية للنزاع مع إيران، دفعت الإمارات إلى مراجعة خطط مركز بيانات ضخم بقدرة 5 غيغاوات. وفي الوقت نفسه، يستمر الاستثمار الصيني في البنية التحتية الخليجية، ما يعقد محاولات الفصل التكنولوجي الكامل.

يحول الخليج رهان الذكاء الاصطناعي إلى امتداد لدوره التاريخي في أسواق الطاقة. فبدلاً من الاعتماد على النفط فقط، يسعى إلى أن يصبح مركزاً عالمياً للحوسبة، مستفيداً من موقعه الجغرافي الذي يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا. وتتوقع تقديرات أن يساهم الذكاء الاصطناعي بمليارات الدولارات في الناتج المحلي لدول الخليج بحلول 2030، مع مشاريع مثل ستارغيت الإمارات وهيومين السعودية التي تهدف إلى بناء قدرات حاسوبية بمستويات غيغاوات.

 قد لا ينتج سباق الذكاء الاصطناعي كتلتين مغلقتين تماماً، بل مجموعة من الدول المتأرجحة القادرة على اللعب على الجانبين. والخليج، بما يمتلكه من موارد وخبرة في التوازن الجيوسياسي، في موقع مثالي ليكون أحد أبرز هذه الدول. وبينما يتنافس العملاقان على الهيمنة التكنولوجية، يحول الخليج هذا التنافس إلى فرصة لتنويع اقتصاده وتعزيز نفوذه العالمي، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد سباق تقني، بل ساحة جديدة للدبلوماسية والقوة الناعمة.