الخليج: هل تتحول المياه إلى جبهة أمنية جديدة؟
أبوظبي - لم تكن المياه في الخليج يوماً مجرد قضية تنموية أو بيئية، لكن الحرب التي اندلعت في المنطقة أعادت وضعها في قلب حسابات الأمن. فالهجمات التي طالت منشآت حيوية، بينها محطات لتحلية المياه، كشفت أن المصدر الذي تعتمد عليه دول الخليج لتعويض ندرة مواردها الطبيعية يمكن أن يتحول هو نفسه إلى نقطة ضعف استراتيجية، خصوصاً عندما تتداخل المياه مع أمن الطاقة والكهرباء والمنشآت الساحلية.
وفي مؤشر على أن دول مجلس التعاون بدأت تنظر إلى المسألة بمنظور جماعي، قال مساعد وزير الخارجية الإماراتي لشؤون الطاقة والاستدامة عبدالله بالعلاء إن دول المجلس تبحث إنشاء آلية للتعاون في مجال المياه، على غرار نموذج التعاون القائم في قطاع الكهرباء. وأوضح أن هناك فكرة لتكرار تجربة الربط الكهربائي في مجال المياه، بما يسمح بتطوير آلية لتقاسم الإمدادات بين دول المجلس.
ويأتي هذا التحرك في وقت كشفت فيه الحرب مخاطر كانت تبدو في السابق نظرية. فقد أعلن مجلس التعاون في يوليو أن الهجمات التي استمرت منذ فبراير طالت منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه والموانئ والمطارات وغيرها من البنية التحتية المدنية في دول المنطقة. وبذلك دخلت منشآت المياه عملياً ضمن قائمة البنى الحيوية التي تحتاج إلى حماية في أوقات الأزمات.
ولم يكن القلق مقتصراً على احتمال الاستهداف المباشر. فالتقارير التي رصدت الأسابيع الأولى للحرب أشارت إلى أضرار أو مخاطر طالت منشآت مرتبطة بالطاقة والمياه في الإمارات والكويت والبحرين، مع استمرار تشغيل المنشآت وعدم تحول هذه الحوادث إلى انقطاع واسع في إمدادات المياه. لكن أهمية هذه الوقائع تكمن في أنها أظهرت مدى ارتباط أمن المياه بالقدرة على حماية منشآت كبيرة وثابتة تقع على السواحل وتحتاج بصورة مستمرة إلى الكهرباء ومياه البحر وشبكات الضخ والتوزيع.
وتزداد حساسية هذا الوضع لأن الخليج من أكثر مناطق العالم اعتماداً على التحلية. ووفق المركز الإحصائي الخليجي، ارتفع إنتاج مياه التحلية في دول مجلس التعاون خلال 2024 بنسبة 4.8 في المئة مقارنة بالعام السابق، فيما بلغت مساهمة التحلية نحو 78.7 في المئة من إجمالي المياه المنتجة من قطاع الإمدادات، مقابل 67.7 في المئة عام 2013. كما ارتفعت الطاقة التصميمية لمحطات التحلية من نحو 7.1 مليارات متر مكعب في 2014 إلى 8.9 مليارات في 2024.
هذه الأرقام تعكس نجاحاً تقنياً في التعامل مع بيئة شديدة الجفاف، لكنها تكشف في الوقت نفسه اعتماداً متزايداً على بنية تحتية محددة. فدول الخليج لا تملك أنهاراً دائمة، وموارد المياه العذبة المتجددة محدودة، فيما تعرضت المياه الجوفية خلال عقود لضغوط الاستنزاف. ولذلك أصبحت التحلية جزءاً أساسياً من المعادلة التي تضمن استمرار المدن والصناعة والخدمات في منطقة تتوسع سكانياً واقتصادياً.
التفكير الخليجي بدأ ينتقل من سؤال «كيف ننتج المزيد من المياه؟» إلى سؤال آخر أكثر ارتباطاً بالأمن: كيف نضمن استمرار المياه إذا تعطل جزء من المنظومة؟
وتختلف درجة الاعتماد بين دولة وأخرى، لكن الحاجة إلى التحلية تصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بمياه الشرب. فدول مثل قطر والبحرين تعتمد بصورة كبيرة جداً على التحلية في مياه الشرب، بينما تنتج دول أخرى كالسعودية والإمارات كميات ضخمة من المياه المحلاة إلى جانب مصادر أخرى. وتشير بيانات منشورة في مارس إلى أن دول الخليج تنتج نحو 40 في المئة من المياه المحلاة في العالم، وتدير أكثر من 400 محطة تحلية على سواحلها.
المشكلة أن محطة التحلية ليست منشأة منفصلة عن بقية منظومة الأمن. فهي تحتاج إلى الكهرباء لتشغيل المضخات والمعالجة، وإلى تدفق مستمر لمياه البحر، ثم إلى شبكات تنقل المياه المنتجة إلى المدن. ولذلك يمكن أن يتسبب انقطاع الطاقة أو استهداف منشأة كهربائية أو تلوث مياه البحر أو تعطيل محطة ضخ في التأثير في إنتاج المياه حتى من دون إصابة محطة التحلية نفسها.
وهذا الترابط هو ما يجعل الأمن المائي أكثر تعقيداً في زمن الحرب. فدراسة حديثة لمخاطر التحلية في الخليج تشير إلى أن نحو ثلاثة أرباع محطات التحلية مرتبطة بمنشآت إنتاج الطاقة، ما يعني أن تعطيل الكهرباء يمكن أن يؤدي بصورة غير مباشرة إلى تعطيل المياه. كما أن المنشآت الساحلية تظل معرضة لمخاطر التلوث أو الأضرار التي تصيب مآخذ مياه البحر.
لكن الحرب ليست أصل المشكلة. فقبل أن تصبح محطات التحلية هدفاً محتملاً، كانت دول الخليج تواجه تحديات طويلة الأمد تتمثل في ارتفاع الطلب، والنمو السكاني والعمراني، وتغير المناخ، واستنزاف المياه الجوفية. ولهذا يؤكد المركز الإحصائي الخليجي أن تعزيز الأمن المائي يحتاج إلى أكثر من زيادة التحلية، بما يشمل حماية الموارد الجوفية، وإدارة الطلب، وتوسيع إعادة استخدام المياه المعالجة. وفي 2024 بلغت نسبة مياه الصرف الصحي المعالجة إلى إجمالي المياه المجمعة نحو 98.4 في المئة، بينما بلغت نسبة المياه المعاد استخدامها 42.9 في المئة من إجمالي المياه المعالجة.
ومن هنا تكتسب فكرة الربط المائي الخليجي أهمية تتجاوز بعدها الاقتصادي. ففي يوليو عقدت الأمانة العامة لمجلس التعاون ورشة متخصصة لدراسة إمكانية بناء مشاريع للربط المائي بين دول المجلس، وشملت الدراسة قدرات محطات التحلية وشبكات النقل والخزانات الاستراتيجية. والأهم أنها طلبت وضع سيناريوهات للطوارئ تشمل تعطل محطات التحلية، والتلوث البحري، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية، وانقطاع الطاقة والمخاطر الجيوسياسية.
أي أن التفكير الخليجي بدأ ينتقل من سؤال «كيف ننتج المزيد من المياه؟» إلى سؤال آخر أكثر ارتباطاً بالأمن: كيف نضمن استمرار المياه إذا تعطل جزء من المنظومة؟
وهنا تكمن أهمية التصريح الإماراتي الأخير. ففكرة تقاسم المياه بين دول المجلس، إذا تطورت إلى مشروعات ربط فعلية وخزانات استراتيجية وشبكات طوارئ، يمكن أن تضيف طبقة جديدة من المرونة إلى منظومة اعتمدت طويلاً على محطات ضخمة ومركزية للتحلية. كما يمكن أن تتيح للدول الأقل تضرراً في أزمة معينة مساعدة الدول التي تتعرض منشآتها للانقطاع.
ولا يعني ذلك أن الربط المائي يمكن أن يحل كل المخاطر. فالمياه المحلاة تحتاج إلى طاقة، ونقل المياه لمسافات طويلة يحتاج بدوره إلى بنية تحتية وكلفة واستثمارات وحماية. لكن تنويع مصادر المياه وربط الشبكات يمكن أن يقللا من أثر تعطل منشأة أو أكثر، ويمنحا السلطات وقتاً أكبر لإصلاح الأضرار أو التعامل مع التلوث أو نقص الطاقة.
وبذلك تبدو الحرب بمثابة اختبار جديد للأمن المائي الخليجي، لا باعتبار المياه «جبهة» عسكرية بالضرورة، وإنما باعتبارها جزءاً من البنية التحتية التي يمكن أن تتأثر بالحرب مثل الطاقة والموانئ والمطارات. أما التحدي الأعمق فيبقى أقدم من الحرب: كيف تحافظ دول تعتمد على البحر أكثر فأكثر للحصول على مياهها على هامش أمان كافٍ في منطقة شحيحة المياه، متغيرة المناخ، ومعرضة في الوقت نفسه لصدمات أمنية متكررة؟
فإذا كانت التحلية قد منحت الخليج قدرة على تجاوز محدودية موارده الطبيعية، فإن المرحلة المقبلة قد تتطلب الانتقال من أمن إنتاج المياه إلى أمن منظومة المياه بأكملها؛ من المحطة إلى الكهرباء، ومن البحر إلى الشبكة، ومن الدولة منفردة إلى تعاون خليجي قادر على العمل عندما تتعطل إحدى حلقات المنظومة.