الحوثيون يقتربون من الجنوب: هل يتحرك الانتقالي؟

تقدم الجماعة على جبهات قريبة من الجنوب يعيد اختبار جاهزية القوات الجنوبية ويطرح سؤالا حول قدرتها على تغيير موازين القوى.
الأحد 2026/09/20
كلما اقتربت خطوط القتال من المناطق الجنوبية أصبح هامش المناورة أضيق

عدن - يفتح اقتراب الحوثيين من مناطق جنوبية في اليمن مرحلة جديدة في الحرب، لا بسبب تغير خطوط التماس فحسب، وإنما لأن التطورات تضع القوات الجنوبية والمجلس الانتقالي الجنوبي أمام اختبار مختلف يتعلق بمدى الجاهزية، وطبيعة الانخراط في المعركة، والقدرة على منع انتقال المواجهات من الجبهات المحيطة إلى المحافظات الجنوبية.

وجاءت تغريدة القيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي هاني بن بريك، على إكس، والتي توعد فيها الحوثيين بأنهم «سينكسرون في كل جبهات الجنوب»، لتؤكد أن الجماعة باتت تُنظر إليها في الجنوب باعتبارها تهديدا مباشرا يتطلب استعدادا مختلفا. وقال بن بريك إن القوات الجنوبية ستحتشد لمواجهة أي محاولة حوثية لاقتحام المناطق الجنوبية، في رسالة تحمل بعدا عسكريا وسياسيا في الوقت نفسه.

لكن السؤال الذي تفرضه التطورات لا يتعلق بقدرة القوات الجنوبية على القتال فقط، وإنما بتوقيت تحركها وحجم مشاركتها. هل توجد قوات جنوبية “محايدة” حاليا، أم تزال تنتظر قرار بالمشاركة.

وخاضت تشكيلات جنوبية خلال السنوات الماضية مواجهات مباشرة مع الحوثيين في أكثر من جبهة، كما شاركت قوات مرتبطة بالانتقالي في عمليات ضمن المعسكر المناهض للجماعة، ما يجعل وصف الجنوب بأنه خارج الحرب أو في موقع الحياد وصفا يحتاج إلى كثير من التدقيق.

المسألة تبدو أقرب إلى اختلاف في مستوى الانخراط وطبيعة الأولويات. فالقوات الجنوبية موجودة في جبهات المواجهة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها انتقلت إلى تعبئة جنوبية شاملة لمواجهة أي تقدم حوثي محتمل. وبين المشاركة في جبهات محددة وبين تحويل كامل القدرات العسكرية إلى استراتيجية دفاعية واسعة عن الجنوب مسافة كبيرة.

وتزداد أهمية هذا السؤال مع تغير طبيعة المعركة على الساحل الغربي والمناطق القريبة من باب المندب. فكل تقدم حوثي في هذه المنطقة لا يقتصر تأثيره على الجبهة التي يحدث فيها، وإنما يمكن أن يفرض إعادة حسابات على القوى الموجودة في لحج والضالع والساحل الجنوبي، خصوصا إذا أصبحت خطوط التماس أقرب إلى مناطق ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الجنوب.

دعوة بن بريك إلى الحشد تذكير بأن الاستعداد للدفاع عن الجنوب قد لا يكون مسألة يمكن تأجيلها إلى لحظة وصول القتال إلى المدن الجنوبية

ومن هنا تبدو دعوة بن بريك إلى الحشد بمثابة تذكير بأن الاستعداد للدفاع عن الجنوب قد لا يكون مسألة يمكن تأجيلها إلى لحظة وصول القتال إلى المدن الجنوبية. فالحروب لا تتحرك دائما وفق حدود سياسية واضحة، وقد يؤدي انهيار جبهة متقدمة إلى نقل الضغط بسرعة إلى جبهة أخرى، خصوصا في ظل طبيعة الحرب اليمنية وتعدد القوى والمراكز العسكرية.

ولا يعني ذلك أن الحوثيين حسموا قدرتهم على التقدم نحو الجنوب أو أن سقوط المحافظات الجنوبية أصبح أمرا متوقعا. فبين التقدم في جبهة وبين السيطرة المستقرة على مناطق جديدة مسافة عسكرية وسياسية ولوجستية، كما أن الجنوب يضم تشكيلات عسكرية ذات خبرة طويلة في مواجهة الحوثيين. لكن التطورات الحالية تضع هذه القدرات أمام سؤال مختلف: هل يمكن استخدامها ضمن رؤية دفاعية منسقة قبل أن تتسع رقعة المواجهة؟

وتبرز هنا أيضا مسألة تعدد التشكيلات العسكرية. فالقوات الجنوبية ليست قوة واحدة بالمعنى التنظيمي، كما أن بعض تشكيلاتها شاركت إلى جانب القوات الحكومية في مواجهة الحوثيين، بينما تحتفظ قوى أخرى بحسابات سياسية وأمنية مرتبطة بالقضية الجنوبية. وهذا الواقع يجعل توحيد القرار العسكري عاملا لا يقل أهمية عن حجم القوات أو خبرتها القتالية.

وقد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي للانتقالي في المرحلة المقبلة. فالمطلوب ليس فقط إعلان الاستعداد للقتال، وإنما تحديد طبيعة الدور الذي ستؤديه القوات الجنوبية في حال اتسعت المواجهة، وما إذا كانت ستتحرك ضمن استراتيجية مشتركة مع بقية القوى المناهضة للحوثيين، أم أن لكل جبهة حساباتها الخاصة.

كما أن السؤال لا يوجه إلى الانتقالي وحده. فالتقدم الحوثي المحتمل نحو مناطق جنوبية يختبر أيضا قدرة الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي والقوى الداعمة لها على تنسيق الجبهات ومنع تكرار حالة التشتت التي عانت منها القوى المناهضة للحوثيين في مراحل سابقة.

وبالتالي، فإن اقتراب الحوثيين من الجنوب لا يعني بالضرورة أن المعركة دخلت مرحلة حاسمة، لكنه يرفع كلفة الانتظار. وكلما اقتربت خطوط القتال من المناطق الجنوبية، أصبح هامش المناورة أضيق، وأصبح السؤال أقل ارتباطا بما إذا كانت القوات الجنوبية ستقاتل، وأكثر ارتباطا بمتى وكيف وتحت أي قيادة ستقاتل.

لهذا، فإن رسالة بن بريك يمكن قراءتها بوصفها إعلان استعداد أكثر منها إعلان حرب. لكن اختبار هذا الاستعداد لن يكون في التصريحات، وإنما في قدرة القوى الجنوبية على تحويل خبرتها السابقة في مواجهة الحوثيين إلى ترتيبات دفاعية واضحة، قبل أن تفرض الجبهة الجديدة إيقاعها على الجنوب.

1