الحوثيون يفتحون جبهة النفط عند باب المندب
دبي- لم تعد معركة الممرات النفطية في الشرق الأوسط محصورة في مضيق هرمز. فبينما تكافح الأسواق للتعامل مع الانخفاض الحاد في حركة الملاحة عبر المضيق، دفع التقدم الحوثي على الساحل الغربي لليمن بالصراع إلى بوابة بحرية ثانية، تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى السعودية التي اعتمدت على البحر الأحمر كمسار بديل لتصدير النفط بعد تراجع حركة العبور في هرمز.
وسيطر الحوثيون، المتحالفون مع إيران، على مدينة المخا الساحلية وتقدموا باتجاه جزر حنيش، في تحرك يقربهم من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. وقالت مصادر عسكرية يمنية إن الجماعة عززت مواقعها في المنطقة، فيما تتحرك القوات الحكومية وحلفاؤها جنوبا باتجاه ذو باب وجزيرة بريم، اللتين تشكلان موقعين أساسين بالنسبة إلى التحكم في مدخل المضيق.
وتكمن أهمية التطور في أنه يهدد بإضافة عقدة جديدة إلى شبكة طرق الطاقة التي تضررت بالفعل بفعل الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران. فقد كان مضيق هرمز، قبل الحرب، ينقل نحو خمس إمدادات النفط والغاز العالمية، فيما تراجعت حركة السفن خلال الأيام الأخيرة إلى مستويات شديدة الانخفاض. وعبرت المضيق سبع سفن فقط الأربعاء، مقارنة بمتوسط بلغ 14 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، وفقا لبيانات أولية لتتبع حركة السفن.
وفي المقابل، كانت السعودية تحاول زيادة الاعتماد على ميناء ينبع المطل على البحر الأحمر لتجاوز الاختناق في هرمز. وأظهرت بيانات تتبع الشحن أن تحميلات الخام والمكثفات من ينبع ارتفعت في مطلع سبتمبر إلى نحو 3.7 مليون برميل يوميا وفقا لـVortexa، بعدما بلغت 3.2 مليون برميل يوميا في أغسطس، فيما أظهرت بيانات Kpler ارتفاعا من 1.5 مليون إلى 2.9 مليون برميل يوميا. ويعكس ذلك الدور المتزايد للميناء باعتباره منفذا استراتيجيا لتجاوز مضيق هرمز.
معادلة صعبة: إذا كان هرمز يحد من الطريق التقليدي لصادرات النفط شرقا، فإن باب المندب قد يختبر قدرة المسار البديل على الاستمرار
لكن تقدم الحوثيين على الساحل الغربي يضع هذا المسار البديل أمام اختبار جديد. فالمشكلة بالنسبة إلى الرياض لم تعد فقط كيفية إخراج النفط من الخليج بعيدا عن هرمز، وإنما أيضا ضمان وصول الناقلات إلى البحر الأحمر عبر باب المندب من دون التعرض لضغوط أو هجمات. وأعلن الحوثيون بالفعل أن الملاحة في البحر الأحمر آمنة لجميع الشركات باستثناء السفن السعودية، في وقت تقول فيه الجماعة إن عملياتها لا تستهدف الملاحة الدولية بصورة عامة.
وهنا تتحول الجغرافيا اليمنية إلى جزء من معادلة الطاقة الإقليمية. فإذا كان هرمز يمثل البوابة الشرقية للخليج، فإن باب المندب يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. والضغط على الممرين في الوقت نفسه يعني تقليص قدرة الدول المنتجة على استخدام الطرق البديلة لتخفيف آثار الحرب على حركة النفط.
وقال مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن إن سيطرة الحوثيين على المخا منحتهم وجودا مباشرا عند مداخل واحد من أكثر المضائق حيوية في العالم، محذرا من مرحلة جديدة وأكثر خطورة في الحرب اليمنية ومخاطرها على حرية الملاحة.
وتربط مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية، بحسب رويترز، التقدم الحوثي الأخير بتوجيه مباشر من الحرس الثوري الإيراني، بينما تنفي طهران أنها تسيطر على الحوثيين. ونقلت مصادر سعودية وباكستانية وإيرانية أن إسلام آباد نقلت إلى طهران تحذيرا سعوديا من تداعيات استمرار التصعيد الحوثي، فيما كان الرد الإيراني أن طهران لا تسيطر على الجماعة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتسع فيه كلفة الحرب في أسواق الطاقة. فقد ارتفع سعر برنت بأكثر من أربعة بالمئة خلال تعاملات الخميس ليتجاوز 105 دولارات للبرميل، قبل أن يستقر عند 107.63 دولارا، بينما تجاوز متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة ستة دولارات للغالون للمرة الأولى، وفقا لبيانات GasBuddy.
ولا يعني ذلك أن السيطرة الحوثية على المخا تعادل إغلاق باب المندب؛ فالمعركة على المضيق لا تزال مفتوحة، كما أن حركة السفن عبره بقيت عند مستويات قريبة من متوسطها الأخير، إذ سجلت 28 حركة لسفن السلع الأربعاء. لكن الخطر يكمن في انتقال الصراع من تهديد محتمل في هرمز إلى إمكانية الضغط على ممر آخر تستخدمه الأسواق والشركات للتكيف مع الأزمة.
وبذلك يصبح تقدم الحوثيين على الساحل الغربي أكثر من مكسب ميداني في الحرب اليمنية. إنه يضيف ورقة إلى معركة السيطرة على طرق الطاقة، ويضع السعودية أمام معادلة صعبة: إذا كان هرمز يحد من الطريق التقليدي لصادراتها، فإن باب المندب قد يختبر قدرة المسار البديل على الاستمرار. وفي ظل تجاوز النفط حاجز المئة دولار واستمرار اضطراب الملاحة، فإن اتساع نطاق التهديد البحري قد يجعل كلفة الحرب تتجاوز ساحات القتال إلى الاقتصاد العالمي وأسعار الوقود وسلاسل الإمداد.