الحرس الثوري يصدم "تيار المرونة" في الخليج

الرهان الخليجي لم يعد يقتصر على كيفية التعامل مع إيران، بل على كيفية التعامل مع تعدد مراكز القرار داخلها.
الأربعاء 2026/07/08
رسائل إيران "السلمية"!

لم يكن استهداف ناقلتين سعودية وقطرية، بالتوازي مع تلويح الحوثيين بإغلاق باب المندب أمام السفن السعودية، مجرد حادث أمني معزول أو رسالة عسكرية مرتبطة بسياق إقليمي متوتر، بل جاء ليضع اختبارا قاسيا أمام تيار خليجي كان يراهن خلال السنوات الأخيرة على المرونة لاستيعاب إيران، ويعتبر أن الحوار أقل كلفة من المواجهة، وأن استقرار المنطقة شرط أساسي لاستمرار مشاريع التنمية والتحول الاقتصادي.

المفارقة أن الرسائل الإيرانية جاءت في اللحظة التي كانت فيها الرياض والدوحة تحديدا الأكثر حرصا على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع طهران، سواء عبر الوساطات أو عبر تجنب الانخراط المباشر في الحرب الأخيرة، وهو ما يجعل الاستهداف يبدو أقرب إلى إعلان إيراني بأن مركز القرار الحقيقي في النظام لا يرى في المرونة الخليجية مدخلا لبناء الثقة، بل فرصة يمكن استثمارها دون تقديم أي مقابل سياسي أو أمني. قد تكون هناك دوائر مع التهدئة، لكن التيار الغالب مع إدامة التوتر والاستثمار فيه.

يبدو الانقسام داخل إيران أكثر وضوحا من أي وقت مضى، لكنه ليس انقساما بين تيارين متساويين في النفوذ، وإنما بين سلطة فعلية وسلطة شكلية.

التيار الأول، وهو الحرس الثوري ومن خلفه المرشد مجتبى علي خامنئي، يحتكر القرار الأمني والعسكري والسياسة الإقليمية. وهذا التيار لا يزال ينظر إلى الخليج باعتباره ساحة ضغط أكثر منه شريكا محتملا. بالنسبة إليه، فإن إبقاء مستوى التوتر مرتفعا يخدم أهدافا داخلية وخارجية في آن واحد.

يحتاج النظام بعد الحرب إلى إعادة إنتاج حالة التعبئة الوطنية، خصوصا مع اتساع الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات واحتمال مطالبة الإيرانيين بمحاسبة المسؤولين عن كلفة المواجهة الأخيرة. وفي مثل هذه الظروف يصبح “الخطر الخارجي” أداة تقليدية لإعادة توحيد الداخل وتأجيل النقاش حول الإخفاقات الاقتصادية. لكن الخارج هنا لا يعني الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل الاستثمار في تراكمات العداء الطائفي ضد الخليج.

يمنح استمرار التوتر طهران أوراق تفاوض إضافية مع الولايات المتحدة، ويؤكد أنها ما زالت قادرة على التأثير في أمن الطاقة والممرات البحرية، سواء بصورة مباشرة أو عبر شبكة الحلفاء والوكلاء.

ولهذا لا يبدو مستغربا أن يقترن استهداف الناقلات بالتهديد بإغلاق باب المندب، في وقت تعمل فيه السعودية على زيادة صادراتها عبر البحر الأحمر وتطوير خط الأنابيب “شرق – غرب” لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز. الرسالة واضحة: حتى البدائل التي تبنيها الرياض لن تكون بمنأى عن أدوات الضغط الإيرانية.

لكن الأكثر إثارة هو أن التيار نفسه الذي يرفض تقديم تطمينات أمنية لجيرانه الخليجيين، لا يجد حرجا في القبول باتفاق مع الولايات المتحدة يسمح برقابة صارمة على البرنامج النووي الإيراني.

المرحلة المقبلة بحاجة إلى مراجعة خليجية هادئة لا تقوم على الانتقال من المرونة إلى التصعيد وإنما على إعادة تعريف المرونة نفسها، وتوفير أوراق ضغط كفيلة بدعمها

هذه المفارقة تكشف أن المشكلة ليست في مبدأ التسويات، وإنما في هوية الطرف المقابل. فالتفاهم مع واشنطن يمنح النظام فرصة لرفع العقوبات واستعادة الأموال المجمدة والحفاظ على بقائه، بينما يرى أن تقديم تنازلات للخليج يقلص إحدى أهم أدوات نفوذه الإقليمي، أي الورقة الدعائية التي تشتغل على البعد الطائفي لاستثارة كراهية دول الجوار.

في المقابل، يظهر تيار ثان تقوده الحكومة، ممثلة بالرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي. هذا التيار يتحدث بلغة مختلفة تماما؛ يدعو إلى الانفتاح على دول الخليج، ويرسل رسائل مطمئنة، ويتحدث عن حسن الجوار والتعاون الاقتصادي. 

غير أن هذا الخطاب ظل حتى الآن بلا ترجمة عملية. فلا خطوات لبناء الثقة، ولا إجراءات تحد من نشاط الوكلاء، ولا مراجعة للسياسات التي صنعت أزمات المنطقة طوال العقدين الماضيين. دور هذا التيار أقرب إلى العمل كواجهة لحساب التيار الأول، وليس كخيار بديل أو قوة تأثير وازنة.

وهنا تكمن المعضلة الخليجية.

هل ينبغي التعامل مع تصريحات الحكومة الإيرانية باعتبارها تعبيرا عن سياسة الدولة، أم باعتبارها مجرد واجهة دبلوماسية تخفف من حدة خطاب المؤسسة العسكرية؟

الوقائع تميل إلى الاحتمال الثاني. فكلما صدرت رسائل إيجابية من الرئاسة أو الخارجية، جاءت تحركات الحرس الثوري لتعيد التأكيد أن القرار الحقيقي لا يزال في مكان آخر. ومن هنا يصبح بناء سياسات خليجية على وعود هذا التيار مغامرة سياسية أكثر منه رهانا محسوبا.

لكن السؤال الأصعب لا يتعلق بإيران وحدها، بل بالخليج نفسه: هل تستطيع دول الخليج التخلي عن سياسة المرونة إذا تأكد لها أن طهران لا تقابلها بالمثل؟

الإجابة ليست سهلة، لأن المرونة الخليجية لم تكن تعبيرا عن ضعف بقدر ما كانت نتاج حسابات دقيقة.

خلال الحرب الأخيرة فضلت السعودية وقطر عدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة، رغم تعرضهما لهجمات إيرانية، واكتفتا بتفعيل منظومات الدفاع الجوي وتقليل الخسائر، انطلاقا من قناعة بأن توسيع الحرب سيحول الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة، ويهدد مشاريع اقتصادية واستثمارية ضخمة يجري تنفيذها منذ سنوات.

في المقابل، اختارت الإمارات مقاربة مختلفة نسبيا، فذهبت إلى تنفيذ ضربات محدودة على أهداف عسكرية إيرانية ضمن منطق الرد بالمثل، في محاولة لترسيخ معادلة ردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

السؤال الأصعب لا يتعلق بإيران وحدها بل بالخليج نفسه: هل تستطيع دول الخليج التخلي عن سياسة المرونة إذا تأكد لها أن طهران لا تقابلها بالمثل؟

هذا التباين لا يعني اختلافا في الأهداف، بل اختلافا في أدوات إدارة المخاطر.

فالخليجيون يدركون أن الانخراط الكامل في أي مواجهة مع إيران سيُقدَّم للرأي العام الإيراني والعربي باعتباره اصطفافا إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يمنح السردية الإيرانية زخما سياسيا وإعلاميا لا ترغب العواصم الخليجية في توفيره.

كما أن أحدا لا يستطيع ضمان ألا تتحول أي مواجهة إلى حرب استنزاف طويلة، تستخدم فيها إيران ليس فقط قدراتها العسكرية المباشرة، وإنما أيضا حلفاءها في اليمن والعراق، وربما شبكات وخلايا نائمة مرتبطة بها داخل المنطقة.

لهذا اختارت دول الخليج ما يمكن وصفه بـ”أقل الخيارات سوءا”: تحمل قدر من التهديدات، مقابل الحفاظ على بيئة تسمح باستمرار مشاريع التحول الاقتصادي، وفي مقدمتها رؤية السعودية 2030، والمشاريع الاستثمارية والسياحية والتكنولوجية العملاقة التي تحتاج إلى الاستقرار أكثر مما تحتاج إلى الانتصارات العسكرية.

أما قطر، فتبدو في موقع مختلف نسبيا.

فالدوحة تعتبر أن التهدئة مع إيران خيار استراتيجي وليس مجرد تكتيك ظرفي. وقد لعبت دور الوسيط خلال الحرب الأخيرة، وكانت في الوقت نفسه من أكثر الأطراف تضررا من التصعيد. ومع ذلك واصلت الدفاع عن الحوار، وسعت إلى احتواء التوتر السياسي والإعلامي، انطلاقا من قناعة بأن إيران ليست خصما استراتيجيا بقدر ما هي جار دائم لا يمكن تجاوزه.

لا يشعر القطريون بأن إيران خصم استراتيحي وسعى الإعلام القطري إلى تذويب التوتر الرسمي والشعبي من الهجمات الإيرانية والانتصار لسردية إيران في الحرب. المرونة لدى القطر ليست تكتيكا ولا مناورة هي خيار استراتيجي تجاه إيران على خلاف السعودية.

غير أن الرسائل الأخيرة الصادرة من طهران تضع حتى هذا الرهان أمام اختبار صعب. فالاستهداف لم يميز بين دولة تنتهج الحذر، وأخرى تؤدي دور الوسيط، وهو ما يعني أن المؤسسة الأمنية الإيرانية لا تقيم سياساتها تجاه الخليج على أساس مستوى الانفتاح الخليجي، وإنما على أساس حساباتها الخاصة.

ولهذا تبدو المرحلة المقبلة بحاجة إلى مراجعة خليجية هادئة لا تقوم على الانتقال من المرونة إلى التصعيد، وإنما على إعادة تعريف المرونة نفسها، وتوفير أوراق ضغط كفيلة بدعمها.

يظل الحوار ضرورة، لكن لا ينبغي أن يكون بديلا عن الردع. والانفتاح الدبلوماسي يحتاج إلى مظلة قوة، كما أن الشراكات الاقتصادية يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط إذا أحسن الخليج توظيف ثقله المالي والاستثماري في علاقاته مع إيران ومع القوى الدولية المعنية بأي اتفاق جديد.

لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن المشكلة لم تعد في غياب قنوات التواصل، بل في غياب شريك إيراني يمتلك القرار ويلتزم بما يقوله. ولذلك فإن الرهان الخليجي لم يعد يقتصر على كيفية التعامل مع إيران، بل على كيفية التعامل مع تعدد مراكز القرار داخلها، حيث تتحدث الدبلوماسية بلغة التهدئة، فيما يواصل الحرس الثوري رسم السياسة الحقيقية بالنار والتهديد.

وهذا يعني أن المشكلة لم تكن في مرونة الخليج، بل في غياب إرادة إيرانية حقيقية لإقامة علاقة تقوم على احترام السيادة والمصالح المتبادلة.

7