الجمعية العامة: ترامب يرفع سقف الضغط على إيران

ضغط اقتصادي وعسكري متواصل، مع إبقاء احتمال الاتفاق قائماً ولكن في توقيت وشروط أميركية.
الثلاثاء 2026/09/22
ترامب اختار منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة لرفع سقف الضغط على إيران

نيويورك- اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة لرفع سقف الضغط على إيران، داعياً الدول إلى فرض «عزلة اقتصادية تامة» على طهران، ومعلناً أن أي اتفاق لإنهاء الحرب قد يأتي بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في نوفمبر. وجاء الخطاب في وقت كانت فيه طهران تلمح إلى إمكان إحياء المفاوضات، ما أبرز التباعد بين رسالتين تبدوان متناقضتين في توقيتهما: واشنطن تتمسك بسياسة الضغط، وإيران تعرض مساراً تفاوضياً مشروطاً.

ولم يكتف ترامب بالدعوة إلى العزل الاقتصادي، بل حذر إيران من عواقب التصعيد إذا لم تتوصل إلى اتفاق، وقال في خطابه إنه مستعد للمضي في خيارات عسكرية أقصى إذا تعذر التوصل إلى تسوية.

وفي المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن واشنطن منفتحة على التحدث مع الإيرانيين إذا كان ذلك سيؤدي إلى نتيجة عملية، خصوصاً في ما يتعلق بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وتكشف هذه الازدواجية أن الباب الدبلوماسي لم يغلق تماماً، لكنه لا يفتح من موقع التراجع الأميركي عن سياسة الضغط.

وتكتسب الإشارة إلى نوفمبر أهمية خاصة، لأن ترامب ربط توقيت الاتفاق المحتمل بانتخابات التجديد النصفي، قائلاً إنه يتوقع التوصل إلى اتفاق مباشرة بعدها. وبذلك يضع الرئيس الأميركي الحرب مع إيران في إطار زمني سياسي أميركي، فيما تستمر المعركة العسكرية وتداعياتها الاقتصادية والإقليمية. ولم يتضمن خطابه مؤشرات على استعداده لتقديم تنازلات فورية، بل ركز على الضغوط والعقوبات وعلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي.

في الجانب الآخر، كانت طهران تحاول دفع الدبلوماسية إلى واجهة المشهد. فقد قال مسؤول إيراني كبير لـ«رويترز» إن وفد بلاده الموجود في نيويورك يمتلك صلاحيات كاملة لإحياء المسار الدبلوماسي، وإن طهران نقلت عبر وسطاء مقترحاً لإنهاء الأعمال القتالية. كما قال إن إيران تستطيع إعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.

 

ترامب يريد إبقاء الضغط، وإيران تريد تخفيفه، ودول الخليج تريد استعادة الأمن البحري من دون دفع ثمن إقليمي أكبر

غير أن رواية هرمز لم تستقر على موقف إيراني موحد. فقد نقلت تقارير لاحقة نفياً إيرانياً لفكرة تقديم عرض رسمي لإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام بالشروط التي أوردتها التقارير، ما يضيف قدراً من الالتباس إلى إحدى أبرز الأوراق التي ظهرت في الساعات السابقة لخطاب ترامب.

ومع ذلك، تبقى هرمز في صلب الأزمة. فحركة الملاحة عبر المضيق تراجعت بصورة حادة، إذ أظهرت بيانات أولية عبور سفينتين تجاريتين كبيرتين فقط يوم الاثنين، مقابل متوسط يقارب 125 سفينة يومياً قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير. ويعني ذلك أن أي تفاهم حول المضيق لن تكون آثاره محصورة في إيران والولايات المتحدة، بل ستمتد مباشرة إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

وفي هذا السياق، تعقد دول الخليج اليوم اجتماعاً مع ترامب في نيويورك. وتدخل دول مجلس التعاون الاجتماع وهي معنية باستعادة الملاحة في هرمز، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب منح إيران نفوذاً إضافياً على أمن الممرات البحرية. كما تواجه السعودية ضغطاً متزايداً على جبهتها الجنوبية مع تقدم الحوثيين في مناطق استراتيجية باليمن وتصاعد الهجمات على أراضيها وعلى طرق تصدير النفط عبر البحر الأحمر.

وتوضح التطورات النفطية أهمية هذه الحسابات. فقد استأنفت السعودية تشغيل خط أنابيب شرق-غرب بعد الهجوم الذي أدى إلى تعطيله، وهو المسار الذي يسمح بتحويل جزء من صادرات الخام بعيداً عن هرمز نحو ميناء ينبع على البحر الأحمر. لكن «رويترز» أفادت بأن استعادة الطاقة الكاملة للخط قد تستغرق بين ستة وثمانية أسابيع، بسبب الأضرار التي لحقت بعدد من محطات الضخ.

كما أن قضية الحوثيين أصبحت جزءاً من الحسابات الأميركية الخليجية. فقد أفادت تقارير بأن السعودية طلبت دعماً أميركياً في مواجهة الجماعة، فيما لم تعد واشنطن حتى الآن إلى شن حملة جوية واسعة عليها. وتزامن ذلك مع تقدم حوثي باتجاه مرتفعات كهبوب المطلة على ساحل البحر الأحمر، بما يرفع المخاوف السعودية من اتساع التهديد على طرق الطاقة والتجارة.

ويكشف ذلك أن اجتماع نيويورك لا يدور فقط حول إيران. فالقادة الخليجيون يريدون معرفة ما إذا كانت واشنطن مستعدة لتوفير حماية أمنية أكبر، وفي الوقت نفسه تجنب انتقال الحرب إلى جبهات جديدة. وتطرح بعض الوساطات الإقليمية تصورات لترتيبات أمنية تشارك فيها إيران ودول الخليج، باعتبار أن استمرار دوائر التصعيد والرد قد يجعل أي تهدئة مؤقتة غير مستقرة.

وفي المحصلة، وضع ترامب في الأمم المتحدة معادلة واضحة من وجهة نظر إدارته: ضغط اقتصادي وعسكري متواصل، مع إبقاء احتمال الاتفاق قائماً ولكن في توقيت وشروط أميركية. أما طهران فتطرح، عبر قنوات مختلفة، فكرة العودة إلى التفاوض وتستخدم هرمز كإحدى أوراقها، بينما تبحث العواصم الخليجية عن مخرج يحمي الملاحة ويحد من امتداد الحرب.

ولهذا يبدو اجتماع نيويورك أقل شبهاً بلحظة تفاوض حاسمة وأكثر شبهاً باختبار لمواقف الأطراف قبل المرحلة التالية. فترامب يريد إبقاء الضغط، وإيران تريد تخفيفه، ودول الخليج تريد استعادة الأمن البحري من دون دفع ثمن إقليمي أكبر. وبين هذه المصالح المتعارضة، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان التصعيد الأميركي سيقود إلى تنازلات إيرانية، أم أن استمرار الحرب سيجعل البحث عن تسوية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.