التجميل يطرق أبواب المراهقين تحت ضغط التنمر
أنقرة – لم تعد عمليات التجميل بالنسبة إلى بعض الأطفال والمراهقين فكرة بعيدة مرتبطة بمرحلة عمرية لاحقة، إذ بدأت طلبات التدخلات التجميلية تظهر في سن مبكرة تحت تأثير التنمر وضغط الأقران والصورة المثالية التي تروج لها مواقع التواصل الاجتماعي. وبينما يمكن أن تعالج الجراحة مشكلة جسدية حقيقية تؤثر في حياة الطفل، يحذر أطباء من أن تحويل القلق بشأن المظهر إلى قرار جراحي قد يخفي مشكلة أعمق تتعلق بصورة الطفل عن نفسه وموقعه داخل محيطه الاجتماعي.
ويقول الطبيب التركي ياسين قولاقسز، اختصاصي أمراض الأنف والأذن والحنجرة وجراحة تجميل الوجه، إن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وضغط الأقران يدفع الأطفال والشباب في الآونة الأخيرة إلى التفكير في عمليات تجميلية في سن مبكرة. ويشدد على ضرورة التحقق أولًا من وجود مشكلة جسدية فعلية تستدعي التدخل، بدل التعامل مع كل شكوى مرتبطة بالمظهر باعتبارها سببًا كافيًا للجراحة.
وتضع هذه الملاحظة الطبية ظاهرة التنمر في قلب النقاش. فالطفل الذي يتعرض بصورة متكررة لتعليقات ساخرة بشأن أنفه أو أذنيه أو أسنانه أو شكل وجهه قد يبدأ في النظر إلى جزء طبيعي من جسده باعتباره عيبًا ينبغي التخلص منه. ومع تكرار التعليقات وانتقالها من المدرسة أو محيط الأصدقاء إلى منصات التواصل، يمكن أن يتحول القلق العابر بشأن المظهر إلى انشغال دائم به.
ولا تتوقف المشكلة عند التنمر المباشر. فقد أوجدت منصات التواصل بيئة بصرية يتعرض فيها المراهقون يوميًا لصور منتقاة ومعدلة رقميًا، ولأشخاص يقدمون أنفسهم وفق معايير جمالية شديدة الخصوصية. ومع انتشار أدوات تعديل الصور والفلاتر، يصبح الفرق بين الصورة الرقمية والوجه الحقيقي أقل وضوحًا لدى الأعمار الصغيرة، ما قد يدفع بعضهم إلى الاعتقاد بأن المظهر الطبيعي يحتاج هو الآخر إلى التعديل.
الطفل الذي يتعرض بصورة متكررة لتعليقات ساخرة بشأن أنفه أو أذنيه أو أسنانه قد يبدأ في النظر إلى جزء طبيعي من جسده باعتباره عيبًا ينبغي التخلص منه
ويشير مختصون في مجال صحة الأطفال والمراهقين إلى أن صورة الجسد تتشكل تدريجيًا خلال سنوات النمو، وأن المقارنة مع الآخرين يمكن أن تؤثر في تقدير الذات. وتزداد حساسية المسألة في مرحلة المراهقة، حيث تتغير ملامح الوجه والجسم بصورة طبيعية، بينما يكون الحكم على المظهر الخارجي جزءًا من التفاعل الاجتماعي اليومي.
لكن الرغبة في إجراء عملية تجميل لا تعني بالضرورة أن المشكلة نفسية أو أن الطفل لا يحتاج إلى تدخل طبي. فهناك حالات يمكن أن تكون فيها الجراحة ضرورية أو مفيدة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتشوه خلقي، أو إصابة، أو مشكلة وظيفية تؤثر في التنفس أو السمع أو النطق، أو حالة جسدية تسبب للطفل معاناة حقيقية. ولذلك يركز الأطباء على ضرورة التمييز بين الجراحة التي تعالج مشكلة واضحة وبين تدخل هدفه الاستجابة لضغط اجتماعي مؤقت.
ويكتسب قرار الجراحة في هذه السن أهمية إضافية لأن الوجه والجسم لا يزالان في طور النمو. ولهذا لا ينبغي التعامل مع رغبة المراهق في تغيير مظهره بالطريقة نفسها التي يُتعامل بها مع طلب شخص بالغ اتخذ قراره بعد سنوات من التفكير. ويحتاج الأمر إلى تقييم طبي دقيق، وإلى التأكد من أن توقعات الطفل أو المراهق واقعية وأن القرار لا يأتي نتيجة سخرية متكررة أو ضغط من الأصدقاء أو رغبة في تقليد شخصية مشهورة.
ومن هنا تبرز مسؤولية الأسرة والمدرسة إلى جانب الطبيب. فبدل الانتقال مباشرة إلى البحث عن طبيب تجميل، قد يكون من الضروري معرفة ما الذي دفع الطفل إلى التفكير في تغيير مظهره: هل يعاني فعلًا من مشكلة جسدية؟ هل يتعرض للتنمر؟ هل يقارن نفسه بصورة معينة على مواقع التواصل؟ وهل يعتقد أن تغيير جزء من وجهه سيحل مشكلة اجتماعية أوسع؟
وقد تكون الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر أهمية من العملية نفسها. فإذا كان الدافع الأساسي هو التنمر، فإن معالجة التنمر تظل جزءًا من الحل، لأن تغيير مظهر الطفل لا يضمن توقف السخرية أو تحسن علاقاته الاجتماعية. وإذا كان مصدر القلق هو الصور المعدلة والفلاتر، فإن مساعدة المراهق على فهم طبيعة هذه الصور يمكن أن تكون أكثر فائدة من محاولة مطابقة وجهه الحقيقي مع صورة رقمية غير واقعية.
ما الذي دفع الطفل إلى التفكير في تغيير مظهره: هل يعاني فعلًا من مشكلة جسدية؟ هل يتعرض للتنمر؟ هل يقارن نفسه بصورة معينة على مواقع التواصل؟
كما أن دور الطبيب لا يقتصر على تحديد إمكانية إجراء العملية من الناحية التقنية. فالقرار الطبي يحتاج إلى التأكد من دوافع المريض وتوقعاته، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقاصر. وفي بعض الحالات قد يكون تأجيل التدخل هو الخيار الأنسب إلى أن يكتمل النمو أو تتضح المشكلة بصورة أكبر.
وتكشف الظاهرة في جانب منها عن تحول أوسع في مفهوم الجمال لدى الأجيال الأصغر. فالمعايير التي كانت تصل إلى الطفل عبر الأسرة أو المدرسة أو الإعلانات أصبحت اليوم حاضرة على شاشة الهاتف طوال الوقت، ويمكن أن تتكرر مئات المرات خلال اليوم. ومع كل صورة ومقطع وتعليق، تتشكل مقارنات جديدة يصعب على الطفل أحيانًا التمييز فيها بين المظهر الطبيعي والصورة المصممة لتبدو مثالية.
لذلك لا تبدو القضية مجرد تزايد في طلبات عمليات التجميل، وإنما تتعلق بالطريقة التي يتعلم بها الأطفال والمراهقون النظر إلى أجسادهم. وإذا كان الطبيب قادرًا على تصحيح مشكلة جسدية، فإن الأسرة والمدرسة والمجتمع مطالبون بالتعامل مع البيئة التي تجعل الطفل يشعر أصلًا بأنه يحتاج إلى التصحيح.