البودكاست إعلام بديل أم نسخة رقمية من الإعلام التقليدي؟

الحضور الكثيف لجيل الصراعات الأيديولوجية القديمة يطرح سؤالا آخر: هل نحن أمام محاولة لفهم الماضي فعلا، أم أمام سعي لجر النقاش العام إلى معارك انتهى زمنها؟
الاثنين 2026/06/08
بناء المستقبل أم ترسيخ العودة إلى الماضي؟

خلال السنوات الأخيرة، تحوّل البودكاست في العالم العربي من مساحة تجريبية محدودة إلى ظاهرة إعلامية واسعة التأثير، تستقطب ملايين المتابعين وتستضيف شخصيات سياسية وعسكرية وفكرية من الصف الأول. وبدا لكثيرين أن هذه المنصات تمثل بديلا عن الإعلام التقليدي (تلفزيون وصحف) الذي فقد جزءا كبيرا من قدرته على الإقناع والتأثير، خاصة لدى الأجيال الجديدة التي هجرت التلفزيون والصحف لصالح المنصات الرقمية الأكثر حرية ومرونة. لكن هل يمكن لإعلام جديد يقوم على سرعة المعلومة واختصارها ووضوحها تحمل بودكاسات استرجاعية تدوم خمس أو 6 ساعات؟

مع توسّع هذه الظاهرة، برز سؤال أكثر عمقا: هل نجح البودكاست العربي فعلاً في إنتاج إعلام مختلف، أم أنه أعاد تدوير النخب القديمة نفسها والخطابات ذاتها ولكن بأسلوب أكثر جاذبية وحداثة؟ هل هو إعلام تقليدي بأدوات جديدة أم عتبة أولى نحو إعلام جديد متمرد على سردية السلطة السياسية والدينية والثقافية والرياضية، من أجل إعادة إنتاج قراءة جديدة كانت غائبة تحت وقع الهيمنة وسيطرة الصوت الواحد؟

الملاحَظ أن جزءا كبيرا من أشهر برامج البودكاست العربية بات يقوم على استضافة سياسيين سابقين (رسميين أو معارضين)، ودبلوماسيين، وخبراء أمن واستخبارات، وعسكريين متقاعدين، وشخصيات عاشت صراعات العقود الماضية. وغالبا ما تتحول الحلقات إلى مساحة لاستعادة السيرة الذاتية أو إعادة تفسير أحداث تاريخية وسياسية من منظور شخصي، أكثر من كونها محاولة لفهم المستقبل أو إنتاج أفكار جديدة. النقاشات حول قضايا خلافية تاريخية تنتج أدوات شبيهة بأدوات التيارات السلفية عبر الاستغراق في الماضي وتقديمه في صورة بديلة وجذابة والإيحاء بقدرته على تقديم الحل لأزمات الحاضر وتعقيداته. والسلفية هنا سلفيات، إسلامية وقومية ويسارية وعسكرية.

في كثير من الأحيان لا يبدو الضيف معنيّا فقط بشرح تجربة أو تقديم معرفة، بل أيضا بالحصول على نوع من الاعتراف الرمزي المتأخر. فالبودكاست يمنح مساحة طويلة وغير مقاطعة نسبيّا، تسمح للشخصية بإعادة بناء صورتها أمام الجمهور، وتقديم نفسها باعتبارها تمتلك رؤية أو إستراتيجية لم تُمنح فرصة التطبيق بسبب صراع داخل السلطة أو إقصاء سياسي أو تحولات إقليمية حالت دون بروزها. وفي نفس الوقت تضخ إيحاء بأنها يمكن أن تقدم حلولا لأزمات الحاضر.

لهذا تبدو بعض الحلقات أقرب إلى “محاكمات تاريخية مؤجلة”، أو إلى محاولة لاستعادة مكانة معنوية مفقودة، أكثر من كونها نقاشات معرفية باردة. فالكثير من الضيوف لا يتحدثون فقط عن الوقائع، بل عن إحساس شخصي بعدم الإنصاف أو التهميش أو سوء التقدير.

ومن هنا يمكن فهم سبب انجذاب عدد كبير من السياسيين والأيديولوجيين الذين عاشوا ذروة الصراعات الفكرية العربية إلى هذه المنصات الرقمية. فالبودكاست بالنسبة إليهم ليس مجرد وسيلة إعلام، بل فرصة للعودة إلى المجال العام بعد تراجع تأثيرهم في المؤسسات الحزبية أو الإعلامية التقليدية. 

صحيح أن الأدوات الرقمية الجديدة أمنت نوعا من الاعتراف ورفع المظالم عن تيارات وشخصيات كانت على الهامش، لكن هذا الاعتراف لم يكن فقط حركة رمزية أو رد اعتبار لأفراد بل تحول إلى ظاهرة أو تيار إعلامي جارف لإعادة إحياء الماضي وتأمين شروط جديدة لاستعادة صراعاته. بوابة جديدة تركز الأضواء على صراع الإسلاميين مع الأنظمة القومية وعلى كبوات اليسار وصعود القوميين على ظهر الانقلابات، ومن كان الأكثر شعبية ومن لعب دورا وظيفيا في خدمة الاستعمار.

هذا الحضور الكثيف لجيل الصراعات القديمة يطرح سؤالا آخر: هل نحن أمام محاولة لفهم الماضي فعلا، أم أمام سعي لجر النقاش العام إلى معارك انتهى زمنها؟ والسؤال الأهم: هل أن مهمة المنصات الرقمية بناء المستقبل أم ترسيخ فكرة العودة إلى الماضي؟

البودكاست بالنسبة إلى عدد كبير من السياسيين الذين عاشوا ذروة الصراعات الفكرية فرصة للعودة إلى المجال العام بعد تراجع تأثيرهم في المؤسسات الحزبية أو الإعلامية التقليدية

فالعديد من الحلقات تعيد إنتاج الاستقطابات ذاتها: قوميون ضد إسلاميين، يسار ضد ليبرالية، سرديات الحرب الباردة، وصراعات الستينات والسبعينات، وكأن المنطقة لم تدخل مرحلة مختلفة تماما من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية. وفي الوقت الذي يعيش فيه الشباب العربي تحديات تتعلق بالهجرة والبطالة والذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية وأنماط الاقتصاد الجديدة، تستمر بعض المنصات في تدوير النقاش حول معارك أيديولوجية فقدت الكثير من قدرتها على تفسير الواقع الحالي.

لماذا لا يستفيد هؤلاء السياسيون والخبراء في التاريخ والأمن والإستراتيجية من البودكاست لتفكيك أزمات الراهن وتقديم أفكار يمكن أن تشكل لبنة لحلول مستقبلية كما يفعل محللون غربيون يظهرون على الإعلام التقليدي كما على مساحات الإعلام الجديد لتحليل قضايا إستراتيجية تتعلق بالقضايا النظرية والفكرية التي يواجهها العالم أو بقضايا السياسات الدولية؟

البودكاست، الذي يفترض أنه ابن العصر الرقمي، أصبح في أحيان كثيرة مساحة للحنين السياسي والفكري. فالضيف لا يكتفي بسرد تجربته، بل يستعيد أيضا الزمن الذي كانت فيه الأفكار الكبرى والأحزاب العقائدية والدول المركزية تملك قدرة أوضح على توجيه المجتمعات. وربما يفسر هذا سبب الشعبية التي تحققها بعض هذه الحلقات؛ إذ يشعر جزء من الجمهور، وسط الفوضى السياسية والاقتصادية الراهنة، بالحنين إلى فترات تبدو أكثر وضوحا وحسما حتى وإن كانت مليئة بالأزمات.

لكن المشكلة لا تكمن في استضافة شخصيات من الماضي أو الاستماع إلى تجاربها، بل في تحوّل ذلك إلى النمط الغالب. فحين يصبح المجال الرقمي مجرد امتداد للنخب التقليدية نفسها، يفقد تدريجيّا قدرته على إنتاج خطاب جديد أو فتح المجال أمام أصوات مختلفة.

وفي هذا السياق يبدو أن الكثير من برامج البودكاست العربية لم تتحرر فعليا من منطق الإعلام التقليدي، رغم اختلاف الشكل التقني. فبدلاً من المذيع التلفزيوني الرسمي، هناك مقدّم رقمي أكثر مرونة. وبدلاً من الأستوديو التقليدي، هناك ديكور حديث وإضاءة هادئة. لكن البنية العميقة للنقاش تبقى أحيانا شديدة التقليدية: ضيف يمتلك “الحقيقة” ويرويها لجمهور متلقٍّ، من دون مساءلة حقيقية أو تفكيك نقدي للرواية المقدّمة.

كما أن بعض هذه المنصات أصبحت مرتبطة بشكل غير مباشر بشبكات النفوذ السياسي والمالي نفسها التي تتحكم في جزء من الإعلام التقليدي، ما يحدّ من قدرتها على لعب دور “الإعلام البديل” بالمعنى الحقيقي. فالمشكلة في الإعلام العربي لم تكن تقنية فقط، بل مرتبطة أيضا ببنية السلطة والمعرفة ومن يملك حق تشكيل الرواية العامة.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد كله في هذا الجانب. فهناك بالفعل تجارب بودكاست عربية نجحت في كسر النمط التقليدي، سواء عبر تقديم محتوى علمي ومعرفي جديد، أو عبر استضافة أصوات شابة ومهمشة، أو من خلال طرح أسئلة مرتبطة بالمستقبل أكثر من الماضي. كما أن الطبيعة الطويلة للبودكاست سمحت أحيانا بنقاشات أعمق وأكثر هدوءا مقارنة بمنطق “اللقطات السريعة” الذي يهيمن على التلفزيون ومنصات التواصل.

لذلك ربما يكون السؤال الأدق ليس ما إذا كان البودكاست إعلاما بديلاً أم لا، بل: أي نوع من البديل يريد أن يكون؟

إذا ظل مجرد منصة رقمية للنخب القديمة كي تعيد سرد سيرها الذاتية وتصفية حساباتها الفكرية والسياسية، فإنه سيتحول تدريجيّا إلى نسخة أكثر أناقة من الإعلام التقليدي. أما إذا استطاع أن يفتح المجال أمام أسئلة جديدة وأصوات جديدة ورؤى تتجاوز استقطابات الماضي، فقد يصبح بالفعل أحد أهم أشكال الإعلام العربي في المرحلة المقبلة.

وفي النهاية، تبدو معركة البودكاست الحقيقية مرتبطة بالمستقبل لا بالتقنية. فالقضية ليست في استخدام الميكروفون والكاميرا خارج التلفزيون، بل في القدرة على إنتاج خيال سياسي وفكري مختلف عن ذلك الذي استهلكته المنطقة طوال العقود الماضية.

6