البرهان يريد سلاماً بشروط الحرب

الوساطة تتحرك نحو التفاوض، بينما تتحرك الجبهات نحو إعادة رسم موازين القوة.
الأحد 2026/09/06
مفاوضات تحت النار

الخرطوم- بينما تتحرك الوساطة الدولية مجدداً لاحتواء الحرب السودانية، تبدو الخرطوم أكثر تمسكاً بفكرة أن أي تسوية مقبلة يجب أن تعكس أولاً موازين القوى التي فرضها الميدان. فزيارة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الخرطوم، بالتزامن مع استمرار المعارك في النيل الأزرق وكردفان ودارفور، تضع المسار السياسي أمام معادلة صعبة: كيف يمكن التفاوض على إنهاء حرب لا تزال أطرافها تراهن على تحسين مواقعها العسكرية؟

جاء وصول المبعوث الأممي بيكا هافيستو إلى الخرطوم بهدف بحث خفض التصعيد وحماية المدنيين، على أن ينضم إليه لاحقاً ممثلون عن الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي و«إيغاد» والجامعة العربية لمناقشة المشهد السياسي والمبادرات المطروحة للحوار السوداني. لكن التحرك الدبلوماسي يجري في بيئة عسكرية لا تبدو مهيأة بعد لوقف شامل للقتال.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في المرحلة الحالية: الوساطة تتحرك نحو التفاوض، بينما تتحرك الجبهات نحو إعادة رسم موازين القوة.

بالنسبة إلى الجيش السوداني، لا تبدو العودة إلى الوضع الذي سبق الحرب خياراً مقبولاً. فالمؤسسة العسكرية التي استعادت الخرطوم ومناطق واسعة من وسط وشمال وشرق البلاد، تسعى إلى تثبيت هذه المكاسب سياسياً، لا التخلي عنها في اتفاق يعيد إنتاج صيغة تقاسم السلطة السابقة.

الخرطوم لا تبدو مستعدة لسلام يعيد إنتاج معادلة ما قبل الحرب. إنها تريد سلاماً يترجم ما تعتبره مكاسب عسكرية إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة

ولهذا فإن الحديث عن التسوية لا ينفصل عن شروطها. فالخرطوم تريد، قبل أي اتفاق سياسي، معالجة وضع قوات الدعم السريع وترتيباتها العسكرية، وعدم منحها ببساطة موقعاً سياسياً يعادل وضعها السابق.

هذه الرؤية تجعل السلام بالنسبة إلى الجيش أقرب إلى نتيجة للمعركة منه إلى بديل عنها.

وكلما تحسنت مواقع الجيش، ارتفع سقف مطالبه في التفاوض. وفي المقابل، فإن استمرار قوات الدعم السريع في الاحتفاظ بمناطق واسعة من دارفور وأجزاء من كردفان يمنحها أوراقاً تجعل من الصعب على الجيش فرض تسوية منفردة.

الجبهات تحدد شكل الطاولة

الخريطة العسكرية الحالية تفسر الكثير من صعوبة المسار السياسي. فالجيش يسيطر على معظم الشمال والشرق ووسط البلاد، بما في ذلك الخرطوم، بينما تحتفظ قوات الدعم السريع بنفوذ واسع في دارفور ومناطق من كردفان، مع بقاء النيل الأزرق ساحة صراع متحركة.

واللافت أن مراكز القتال الرئيسية انتقلت بعيداً عن الخرطوم إلى قوس جغرافي يمتد من الحدود الإثيوبية عبر النيل الأزرق وكردفان وصولاً إلى دارفور. وهذا يعني أن السيطرة على الطرق والمدن وممرات الإمداد باتت جزءاً أساسياً من استراتيجية الطرفين.

كردفان تحديداً تبدو مرشحة لأن تكون إحدى ساحات الحسم المقبلة. فهي تربط مناطق نفوذ مختلفة، والسيطرة عليها يمكن أن تؤثر في حركة القوات والإمدادات بين وسط السودان وغربه.

أما النيل الأزرق، فإن تصاعد القتال فيه يضيف بعداً إقليمياً جديداً بسبب قربه من الحدود الإثيوبية، فيما يبقى دارفور المجال الأهم لقوات الدعم السريع من حيث العمق الجغرافي والسيطرة الميدانية.

التعقيد الأكبر أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين الجيش والدعم السريع. فقد كشفت تقارير أممية حديثة عن دور متزايد لشبكات دعم خارجية، وعن استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة في العمليات، بما ساهم في إطالة أمد الحرب ورفع كلفتها على المدنيين. وقال تحقيق أممي إن أكثر من ألف شخص قتلوا في هجمات بالطائرات المسيّرة خلال النصف الأول من عام 2026، مع وجود مؤشرات على جرائم حرب محتملة.

وهذا يعني أن أي تسوية سودانية ستظل مرتبطة، بصورة أو بأخرى، بحسابات إقليمية تتجاوز طرفي الصراع. فاستمرار تدفق السلاح والتمويل يجعل من الصعب تحويل اتفاق سياسي إلى واقع ميداني ما لم تتوقف أيضاً قنوات الدعم الخارجي.

ولهذا فإن الوساطة لا تواجه فقط مشكلة إقناع الجنرالات بالجلوس إلى الطاولة، وإنما تواجه سؤالاً أكبر: هل تستطيع الأطراف الخارجية التي تؤثر في الحرب دعم تسوية بدلاً من تمويل استمرارها؟

يتحرك المبعوث الأممي في محاولة لمنع اتساع دائرة الحرب وحماية المدنيين، والأمم المتحدة تؤكد أن الحل المطلوب سياسي وتفاوضي وشامل بقيادة سودانية. لكن نجاح هذا المسار يتطلب أولاً تقليص الفجوة بين ما تريده الخرطوم وما تستطيع قوات الدعم السريع قبوله.

الخرطوم تريد، قبل أي اتفاق سياسي، معالجة وضع قوات الدعم السريع وترتيباتها العسكرية، وعدم منحها موقعاً سياسياً يعادل وضعها السابق

الجيش يريد تسوية لا تكافئ منطق القوة الموازية، بينما تريد قوات الدعم السريع الحفاظ على نفوذها ومصالحها وموقعها في أي ترتيبات سياسية مقبلة. وبين الموقفين تتحرك الوساطة الدولية بحثاً عن صيغة تمنع استمرار الحرب من دون أن تمنح أحد الطرفين انتصاراً كاملاً.

لكن المشكلة أن ميزان القوى نفسه لم يستقر بعد.

فالجيش يملك أفضلية واضحة في مناطق واسعة، لكنه لم يتمكن من إنهاء وجود الدعم السريع في الغرب. وفي المقابل، تستطيع قوات الدعم السريع الاحتفاظ بمناطق نفوذ واسعة، لكنها تواجه صعوبة في تحويل هذا النفوذ إلى سيطرة على الدولة المركزية. وهكذا يصبح استمرار الحرب وسيلة لكل طرف لتحسين شروطه قبل التسوية.

لهذا تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى مفاوضات تحت النار منها إلى مسار سلام تقليدي.

فالجيش يضغط في الجبهات التي يستطيع التحرك فيها، والدعم السريع يحاول تثبيت مواقعه وفتح مسارات جديدة، بينما تتحرك الأمم المتحدة والقوى الإقليمية لمنع تحول هذه المنافسة إلى حرب أكثر اتساعاً.

والنتيجة أن الخرطوم لا تبدو مستعدة لسلام يعيد إنتاج معادلة ما قبل الحرب. إنها تريد سلاماً يترجم ما تعتبره مكاسب عسكرية إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.

وهذا ما يجعل عنوان المرحلة المقبلة ليس «هل يريد السودانيون السلام؟» بقدر ما هو أي سلام يمكن أن يقبل به المنتصرون والمتراجعون على حد سواء؟

فإذا نجح الجيش في تحويل تفوقه النسبي إلى مكاسب إضافية، فقد تدخل الخرطوم أي مفاوضات مقبلة بسقف أعلى من المطالب. أما إذا استطاعت قوات الدعم السريع إعادة تنظيم صفوفها وتثبيت نفوذها في الغرب، فقد تضطر المؤسسة العسكرية إلى قبول تسوية أكثر توازناً.

وفي الحالتين، ستظل الطاولة السياسية رهينة لما يحدث في الجبهات.

السودان لا يقترب بعد من نهاية الحرب بقدر ما يقترب من مرحلة يحاول فيها كل طرف أن يحدد، عبر الحرب، شكل السلام الذي سيأتي بعدها.