البراء بن مالك داخل الجيش: البرهان يتحدى واشنطن؟

تصاعد دور الكتيبة المصنفة أميركيا منظمة إرهابية يضع قائد الجيش السوداني أمام اختبار صعب
الثلاثاء 2026/09/22
مخاوف من تحول المشاركة الميدانية إلى نفوذ مؤسسي دائم

الخرطوم – لا تبدو العلاقة بين الجيش السوداني وكتيبة البراء بن مالك مجرد تحالف ميداني فرضته ظروف الحرب، بعدما كشفت تقارير حقوقية وتحليلات متخصصة عن حضور عناصر من الكتيبة داخل ترتيبات أمنية مرتبطة بمؤسسات عسكرية واستخباراتية. ويعيد ذلك طرح سؤال أكثر حساسية حول حدود العلاقة بين عبد الفتاح البرهان والقوى الإسلامية المسلحة، في وقت تصنف فيه واشنطن جماعة الإخوان المسلمين السودانية وكتيبة البراء بن مالك ضمن التنظيمات الإرهابية.

وتكتسب المسألة أهمية خاصة لأن الولايات المتحدة لم تكتف بإدراج البراء بن مالك على قوائم العقوبات، بل أعلنت في مارس 2026 تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمة إرهابية أجنبية، واعتبرت كتيبة البراء بن مالك جناحها المسلح. وتقول وزارة الخارجية الأميركية إن الجماعة والكتيبة شاركتا في الحرب السودانية واستخدمتا العنف ضد المدنيين، وهي اتهامات تنفيها أو ترفضها الأطراف السودانية المعنية.

في المقابل، تظهر البراء بن مالك في المشهد العسكري بوصفها واحدة من أبرز القوى المسلحة التي ساندت الجيش منذ اندلاع الحرب مع قوات الدعم السريع في أبريل 2023. وتشير مصادر بحثية إلى أن الكتيبة استفادت من شبكات إسلامية سابقة ومن علاقات مع ضباط في القوات المسلحة، وأن مقاتليها انتشروا في عدد من الجبهات إلى جانب الجيش. وتصف دراسات أخرى الكتيبة بأنها قوة مؤثرة داخل معسكر الجيش، لكنها ليست وحدة رسمية من وحداته.

والأكثر حساسية هو ما وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش في أبريل الماضي. فقد قالت إن ما يسمى «الخلايا الأمنية» التي تشكلت في مناطق يسيطر عليها الجيش ضمت جهاز المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية، وأحيانا عناصر من كتيبة البراء بن مالك. كما نقلت عن شرطي أُدمج في إحدى هذه الخلايا في أم درمان أنه شاهد في أبريل 2025 عنصرين مسلحين من الكتيبة يشاركان في مداهمة واعتداء على امرأة اتُهمت بالتعاون مع قوات الدعم السريع.

هل يستطيع البرهان الفصل بين الاستفادة العسكرية من الكتيبة وبين مطالب واشنطن بإعادة تنظيم الجيش وإبعاد الإسلاميين عن مؤسسات الدولة؟

هذه المعطيات لا تعني أن الكتيبة أصبحت رسميا جزءا من القوات المسلحة السودانية، لكنها تكشف عن درجة من التداخل العملياتي بين قوة مصنفة أميركيا إرهابية ومؤسسات أمنية وعسكرية تابعة للسلطة التي يقودها البرهان. وهنا تحديدا يبرز الاختبار السياسي أمام قائد الجيش: هل يستطيع الفصل بين الاستفادة العسكرية من هذه القوة وبين مطالب الولايات المتحدة بإعادة تنظيم المعسكر العسكري وإبعاد الإسلاميين عن مؤسسات الدولة؟

المفارقة أن مسألة دمج القوات المساندة كانت مطروحة بالفعل داخل الجيش السوداني قبل التصنيف الأميركي. ففي ديسمبر 2025 أفادت «سودان تريبيون» بأن قيادة الجيش بدأت حصر وتصنيف الجماعات المسلحة الحليفة تمهيدا لإدماجها في المنظومة العسكرية وإخضاعها لقانون القوات المسلحة ووضعها تحت قيادة موحدة. لكن الكتيبة رفضت تلك الخطوة ووصفتها بأنها «كارثية»، وفقا لما نقلته الصحيفة عن مصادر عسكرية.

ويكشف ذلك عن معضلة مزدوجة. فالجيش يحتاج خلال الحرب إلى القوى التي تقاتل إلى جانبه، لكنه في الوقت نفسه يواجه ضغوطا لإعادة بناء مؤسسة عسكرية أكثر مركزية وانضباطا. وكلما بقيت تشكيلات مسلحة ذات ولاءات سياسية أو أيديولوجية تعمل بصورة مستقلة، يصبح الحديث عن احتكار الدولة للسلاح أكثر تعقيدا.

وتزداد الضغوط مع تبدل الموقف الأميركي من الحرب السودانية. فقد اتجهت واشنطن خلال الأشهر الأخيرة إلى ممارسة ضغط أكبر على طرفي النزاع، فيما أفادت تقارير بأن الإدارة الأميركية تريد استبعاد القادة العسكريين المتحاربين من أي دور سياسي مستقبلي. كما تضغط باتجاه وقف الحرب وترتيبات انتقالية مدنية، ما يجعل علاقة الجيش بالقوى الإسلامية المسلحة جزءا من النقاش الأوسع حول شكل الدولة السودانية بعد الحرب.

لكن اختزال العلاقة في مواجهة مباشرة بين البرهان وواشنطن قد يكون مبكرا. فالجيش السوداني أعلن في مراحل مختلفة توجهه نحو إعادة تنظيم القوى المساندة وإدخالها في هيكل القيادة، كما أن البرهان أجرى خلال أغسطس 2026 مشاورات سياسية حول حوار سوداني أوسع، في إشارة إلى أن المؤسسة العسكرية تدرك الحاجة إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني.

المسألة إذن لا تتعلق فقط بمصير كتيبة البراء بن مالك، وإنما بمستقبل العلاقة بين الجيش والتيارات الإسلامية المسلحة. فإذا تحولت المشاركة الميدانية إلى نفوذ مؤسسي دائم، فقد تجد واشنطن نفسها أمام معضلة في التعامل مع سلطة سودانية تعتمد على قوة صنفتها إرهابية. أما إذا جرى احتواء الكتيبة وإخضاع عناصرها لقيادة عسكرية موحدة وقواعد قانونية واضحة، فقد يصبح بالإمكان فصل المشاركة في الحرب عن إعادة إنتاج نفوذ سياسي أو أمني مستقل.

لهذا يبدو سؤال «هل يتحدى البرهان واشنطن؟» مرتبطا بما هو أبعد من الكتيبة نفسها. الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان قائد الجيش قادرا على تحويل القوى المسلحة التي ساعدته في الحرب إلى جزء من مؤسسة عسكرية واحدة، أم أن الحرب ستمنح التنظيمات الإسلامية المسلحة موقعا داخل الدولة يصعب على أي تسوية لاحقة تفكيكه.