الانسحاب أولاً.. السلاح لاحقاً: مناورة الميليشيات لإفشال خطة الزيدي

هل يكون الانسحاب الأميركي مدخلاً لتعزيز سلطة الدولة، أم فرصة للفصائل لترسيخ نفوذها
الاثنين 2026/08/17
الفصائل تعد الانسحاب هدفا لاسقاط التنازلات

بغداد – يقترب العراق من اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية مع اقتراب الموعد المحدد لاستكمال انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في نهاية سبتمبر/أيلول المقبل، في وقت لم يحسم فيه بعد ملف السلاح خارج المؤسسات الرسمية. وبينما يفترض أن يشكل هذا الموعد محطة لإعادة تعريف العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن، تبرز مؤشرات على مسعى من قوى سياسية وفصائل مسلحة لفصل مسار الانسحاب الأميركي عن ملف جمع السلاح، بما قد يمنح الفصائل هامشاً زمنياً إضافياً للإبقاء على ترساناتها بعد مغادرة القوات الدولية.

وكشف مصدر في الإطار التنسيقي، الأحد، أن ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي طرح مقترحاً يقضي بفصل موعد انسحاب القوات الأميركية عن ملف تفكيك السلاح، في رؤية لا تزال قيد الدراسة.

ويقضي المقترح، بحسب ما نقل موقع شفق نيوز، بالفصل بين الملفين لفترة زمنية، ولو كانت قصيرة، بهدف إعطاء «رسائل اطمئنان وثقة» للفصائل.

ورغم تقديم الفكرة باعتبارها محاولة لطمأنة القوى المسلحة، فإن توقيتها يطرح تساؤلات أوسع حول مستقبل تعهد الحكومة العراقية بحصر السلاح بيد الدولة. فالمشكلة لا تكمن فقط في تأجيل تنفيذ التعهد، وإنما في احتمال أن يتحول الانسحاب الأميركي من ورقة ضغط تساعد الحكومة على معالجة ملف السلاح إلى نقطة نهاية لهذا الضغط.

يأتي ذلك في وقت يكتسب فيه موعد 30 سبتمبر أهمية سياسية خاصة، باعتباره السقف الذي حددته القوى السياسية الرئيسية لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية. لكن فصل الملفين يعني عملياً أن انسحاب القوات الأميركية يمكن أن يتم في موعده، بينما يبقى تنفيذ عملية جمع السلاح مفتوحاً على جدول زمني جديد.

وهنا تبرز فرضية أن بعض الفصائل والشخصيات السياسية القريبة منها قد تكون بصدد شراء الوقت، من خلال الإقرار المبدئي بفكرة حصر السلاح، مع تأجيل ترجمتها العملية إلى ما بعد مغادرة القوات الأميركية.

وتكمن خطورة هذا السيناريو بالنسبة إلى رئيس الوزراء علي الزيدي في أنه قد يفرغ أحد أهم عناصر استراتيجيته من مضمونه. فالربط بين الانسحاب الأميركي وإنجاز خطوات ملموسة في ملف السلاح يمكن أن يمنح الحكومة فرصة لاستخدام المرحلة الانتقالية للضغط باتجاه دمج السلاح في إطار الدولة أو تفكيك ترسانات الفصائل التي لا تخضع فعلياً للقرار الحكومي.

أما إذا غادر الأميركيون أولاً، ثم انتقلت الحكومة إلى مواجهة ملف السلاح لاحقاً، فقد تصبح المعادلة أكثر تعقيداً. فالفصائل التي ترى في الانسحاب الأميركي هدفاً استراتيجياً قد تعتبر أن تحقيقه يسقط الحاجة إلى تقديم تنازلات إضافية، خصوصاً إذا لم يعد هناك وجود عسكري أميركي يمكن استخدامه كورقة ضغط سياسية.

تكشف هذه المناورة عن اختلاف في ترتيب الأولويات داخل المعسكر السياسي العراقي. فبينما تريد الحكومة تحويل مرحلة الانسحاب إلى انتقال من الوجود العسكري الأجنبي إلى سيادة أمنية عراقية أكثر وضوحاً، يبدو أن بعض القوى تريد التعامل مع الملفين باعتبارهما مسارين منفصلين: ينتهي الوجود الأميركي أولاً، ثم يبدأ النقاش حول السلاح في مرحلة لاحقة.

حكومة الزيدي تريد تحويل مرحلة الانسحاب إلى انتقال من الوجود العسكري الأجنبي إلى سيادة أمنية عراقية أكثر وضوحاً

لكن هذا الترتيب قد يحمل مفارقة سياسية كبيرة. فإذا كان حصر السلاح بيد الدولة جزءاً من مشروع تثبيت السيادة، فإن خروج القوات الأجنبية من دون إحراز تقدم ملموس في هذا الملف قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: انسحاب القوات الأميركية من العراق، مع بقاء مراكز قوة مسلحة خارج السيطرة الكاملة للحكومة.

وهنا يصبح السؤال: هل يكون الانسحاب الأميركي مدخلاً لتعزيز سلطة الدولة، أم فرصة للفصائل لترسيخ نفوذها بعد زوال أحد أهم عوامل الضغط عليها؟

ولا يعني انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بالضرورة انتهاء العلاقة الأميركية مع العراق. فقد اتفق البلدان في سبتمبر/أيلول 2024 على إنهاء مهمة التحالف ضد تنظيم «داعش» بصورة مرحلية، والانتقال إلى شراكة أمنية ثنائية. وانتهت المرحلة الأولى في سبتمبر/أيلول 2025، فيما يفترض استكمال المرحلة الأخيرة بحلول نهاية سبتمبر/أيلول 2026.

كما أن حديث المصدر عن وصول عشرات الشركات الأميركية إلى العراق، بالتزامن مع الاتفاقات التي أبرمها الزيدي خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، يشير إلى أن الانسحاب العسكري لا يعني خروج النفوذ الأميركي من البلاد، بل قد يعيد تشكيله من خلال الاقتصاد والاستثمار والتعاون الأمني.

وهذا تحديداً ما يجعل ملف السلاح أكثر حساسية. فالفصائل قد تحقق هدف خروج القوات الأميركية، لكنها لن تكون بالضرورة قادرة على إنهاء الحضور الأميركي بأشكاله الأخرى داخل العراق.

إذا تحولت المناورة السياسية إلى موقف رسمي يمنع تحقيق خطوات فعلية في جمع السلاح قبل نهاية سبتمبر، فقد تجد بغداد وواشنطن نفسيهما أمام معضلة جديدة: الالتزام بالجدول الزمني للانسحاب، أم ربط استكماله بتقدم واضح في إعادة احتكار الدولة للسلاح؟

وقد يكون التأجيل، في هذه الحالة، خياراً مطروحاً إذا اعتبرت واشنطن أو القوى العراقية الداعمة للحكومة أن الانسحاب الكامل من دون معالجة كافية لملف الفصائل سيترك فراغاً أمنياً وسياسياً يصعب احتواؤه لاحقاً.

لكن تأجيل الانسحاب يحمل بدوره كلفة سياسية، لأنه قد يمنح الفصائل ذريعة جديدة للقول إن الوجود الأميركي مستمر رغم انتهاء مهمة التحالف، وهو ما يمكن أن يعيد إنتاج التوترات الأمنية.

لذلك تبدو معركة سبتمبر المقبلة أكبر من مجرد موعد لخروج القوات الأجنبية. إنها اختبار لقدرة الدولة العراقية على ترتيب العلاقة بين السيادة، والسلاح، والوجود الأميركي في آن واحد.

فإذا نجحت بغداد في ربط الانسحاب بخطوات حقيقية لحصر السلاح، فقد يتحول سبتمبر إلى نقطة تحول في بناء الدولة. أما إذا نجحت الفصائل في فصل الملفين، فقد يصبح 30 سبتمبر موعداً لانتهاء مهمة التحالف فقط، بينما يبقى ملف السلاح مفتوحاً، وربما أكثر صعوبة من أي وقت مضى.