الاستنزاف التفاوضي… مغامرة إيران باستعداء الخليج
لم يكن وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران نهاية للمواجهة بقدر ما كان انتقالًا إلى ساحة أكثر تعقيدًا. فطهران، التي خرجت من الحرب بخسائر عسكرية وسياسية غير مسبوقة، تدرك أن ميزان القوة لم يعد يسمح لها بفرض شروطها بالقوة، لكنها تراهن على سلاح آخر أتقنته خلال العقود الماضية: الاستنزاف التفاوضي. أي تحويل أي اتفاق إلى بداية لخلاف جديد حول تفسير بنوده، وإطالة أمد التنفيذ، وخلق وقائع ميدانية تعيد صياغة التفاهمات بما يخدم مصالحها، وأولها استعداء الخليج بدل مواجهة واشنطن.
هذه المقاربة تبدو اليوم أكثر وضوحًا في ملف مضيق هرمز، الذي تحول من ممر مائي إلى ساحة اختبار لإرادة الطرفين. فإيران لا تبدو معنية بإلغاء الاتفاق، وإنما بإعادة تأويله تدريجيًا، بينما تبدو واشنطن أكثر تصميمًا من أي وقت مضى على منع تكرار نماذج سابقة سمحت لطهران بتحويل الغموض القانوني والسياسي إلى مكاسب استراتيجية. لكن الاستنزاف التفاوضي، الذي تريده إيران، يتم في جانب رئيسي منه على حساب دول الخليج، التي ما تزال تمارس الصبر الاستراتيجي على أمل استيعاب هوس الإيرانيين للتصعيد دون مراعاة الجيرة.
لم يكن قرار القيادة الإيرانية قبول وقف الحرب تعبيرًا عن اقتناع بانتهاء الصراع، بل اعترافًا ضمنيًا بأن استمرار العمليات العسكرية سيؤدي إلى كلفة لا تستطيع الدولة الإيرانية تحملها بعد الضربات التي طالت بنيتها العسكرية والأمنية والسياسية، واستهدفت قيادات الصفين الأول والثاني، بما في ذلك المرشد علي خامنئي. كانت تلك خسائر نوعية لا يمكن تعويضها بسرعة، وهو ما فرض على طهران الانتقال من منطق المواجهة المباشرة إلى منطق إدارة الأزمة.
غير أن هذا الانتقال لا يعني تغييرًا في العقيدة التفاوضية الإيرانية. فالتاريخ السياسي لـ”الجمهورية الإسلامية” يكشف نمطًا متكررًا يقوم على التعامل مع الاتفاقات باعتبارها محطات قابلة لإعادة التفسير، وليس التزامات نهائية. لذلك فإن ما عجزت عنه إيران في الحرب، تحاول تحقيقه اليوم عبر التفاوض، أو بالأحرى عبر استنزاف التفاوض.
تجلت هذه المقاربة سريعًا في البند المتعلق بمضيق هرمز. فالقراءة الأميركية للاتفاق كانت واضحة: وقف الهجمات على الملاحة مقابل رفع الحصار البحري وعودة حركة السفن بصورة طبيعية. أما القراءة الإيرانية فقد ذهبت إلى اتجاه مختلف تمامًا، معتبرة أن من حقها، إلى جانب سلطنة عمان، فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق، وكأن الاتفاق منحها اعترافًا ضمنيًا بسيادة مشتركة على أهم ممر للطاقة في العالم. مع الإشارة إلى أن وجود سلطنة عمان كـ”شريك” الهدف منه خلق واجهة للإيحاء بأن مطلب الرسوم إقليمي وليس إيرانيا.
التاريخ السياسي لـ"الجمهورية الإسلامية" يكشف نمطًا متكررًا يقوم على التعامل مع الاتفاقات باعتبارها محطات قابلة لإعادة التفسير وليس التزامات نهائية
لم يكن ذلك مجرد اختلاف قانوني في تفسير النصوص، بل محاولة لإعادة إنتاج النفوذ الذي فقدته إيران عسكريًا عبر أدوات سياسية واقتصادية. ففرض الرسوم يعني عمليًا امتلاك قدرة مستمرة على التحكم بحركة التجارة العالمية، حتى بعد توقف الحرب، وهو ما يحول المضيق إلى ورقة ضغط دائمة بدلاً من أن يعود ممرًا دوليًا مفتوحًا.
وعندما بدأت ناقلات سعودية وقطرية تنفيذ الاتفاق وفق القراءة الأميركية، أي المرور بحرية بعد رفع الحصار، اختارت إيران الرد بطريقة مختلفة. فقد استهدفت تلك الناقلات لإرسال رسالة مفادها أن تفسيرها هي للاتفاق هو الذي يجب أن يسود، وأن حرية الملاحة لا تنفصل، من وجهة نظرها، عن الاعتراف بحقها في فرض قواعد جديدة داخل المضيق.
كانت حسابات طهران تقوم على افتراض أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ستتعامل مع تلك الهجمات بالطريقة نفسها التي تعاملت بها واشنطن مع استهداف منشآت النفط السعودية والإماراتية عام 2019، أي عبر الاحتواء وتجنب التصعيد. لكن هذا التقدير أثبت خطأه سريعًا، إذ جاء الرد الأميركي واسعًا وحاسمًا، مؤكدا أن حرية الملاحة في هرمز أصبحت خطًا أحمر لا يخضع للمساومة أو لإعادة التفسير.
وهنا ظهرت معضلة إيرانية جديدة. فبعد أن فشل اختبار الإرادة الأميركية، اتجهت طهران إلى استهداف مواقع خليجية قالت إنها تضم قوات أميركية، رغم معرفتها المسبقة بأن الولايات المتحدة كانت قد أعادت انتشار معظم قواتها وأصولها العسكرية بعيدًا عن مرمى النيران الإيرانية. لم يكن الهدف عسكريًا بقدر ما كان إعلاميًا وسياسيًا، إذ احتاجت القيادة الإيرانية إلى تقديم صورة داخلية توحي بأن قدرتها على الرد لم تتأثر رغم حجم الخسائر.
غير أن اللافت هو أن الضربات لم تقتصر على المواقع المرتبطة بالوجود الأميركي، بل امتدت إلى منشآت خليجية لا علاقة مباشرة لها بالعمليات العسكرية. فقد طالت سلطنة عمان، التي احتفظت لعقود بدور الوسيط الموثوق بين طهران وواشنطن، كما شملت قطر والإمارات والسعودية والكويت والبحرين بدرجات متفاوتة.
وهذا السلوك يكشف مفارقة لافتة. فمن جهة، تحرص إيران على إبقاء قنوات الوساطة مفتوحة مع عُمان وقطر، وتسعى إلى استعادة علاقاتها الاقتصادية مع الإمارات باعتبارها منفذًا حيويًا للسلع الغذائية والدوائية والتعاملات المالية. لكنها، من جهة أخرى، لا تتردد في استهداف هذه الدول عندما ترى أن ذلك يخدم رسائلها العسكرية والسياسية.
حاولت طهران في بعض المراحل إنكار مسؤوليتها عن ضرب منشآت عمانية، في محاولة واضحة للحفاظ على صورة السلطنة كوسيط محايد، وكسبها في معركة شرعنة الرسوم، قبل أن تتوسع دائرة الاستهداف لاحقًا لتشمل الجميع تقريبًا. والأمر نفسه تكرر مع السعودية، إذ قدمت القيادة الإيرانية تطمينات متكررة بعدم استهدافها، قبل أن تتعرض منشآت المملكة وسفنها لهجمات متتالية.
هذه الازدواجية تعكس حقيقة أعمق في التفكير الإيراني. فدول الخليج، مهما اختلفت مواقفها أو مستويات انفتاحها على الحوار مع طهران، تبدو في الحسابات الإيرانية جزءًا من بيئة استراتيجية واحدة. لا يمنحها دور الوسيط حصانة، ولا توفر لها سياسة المرونة ضمانات أمنية دائمة. ولذلك فإن سياسة الفصل بين الدول الخليجية لم تعد تحقق النتائج نفسها التي كانت تحققها في مراحل سابقة.
إذا كان التفاوض امتدادًا للحرب بوسائل أخرى فإن واشنطن مصممة على ألا يتحول وقف إطلاق النار إلى فرصة تمنح إيران ما عجزت عن تحقيقه في ميدان القتال
ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز الحرب الحالية: هل تقتنع دول الخليج بأن مواجهة هذا النمط من الضغوط تتطلب تحركًا جماعيًا، سياسيًا ودبلوماسيًا وعسكريًا وإعلاميًا، بدلاً من الرهان على تفاهمات ثنائية أو تهدئات منفردة؟ فالتجربة الأخيرة توحي بأن إيران لا تميز بين دولة وأخرى عندما يتعلق الأمر باستخدام أدوات الضغط.
لكن السؤال الأكثر أهمية يتعلق بجدوى الاستراتيجية الإيرانية نفسها. فهل يؤدي استنزاف الخليج فعلًا إلى استنزاف الولايات المتحدة؟
حتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى النفي. فالولايات المتحدة لا تعتمد في عملياتها العسكرية على قواعد خليجية ثابتة فقط، بل على انتشار بحري واسع وقدرات متحركة يصعب استهدافها أو تعطيلها. كما أن أي ضرر يلحق بدول الخليج ينعكس، في نهاية المطاف، على البيئة الأمنية والاقتصادية التي تحتاجها إيران نفسها، بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح الإقليمية، فضلا عن بناء جدار سميح من الشك وانعدام الثقة مع دول إقليمية مثلت باستمرار منفذ إيران على العالم.
والأهم أن استنزاف الملاحة في هرمز لم يعد يحقق المكاسب التي حققها في مراحل سابقة، لأن القوى الدولية والإقليمية باتت أكثر استعدادًا لحماية الممرات البحرية، وأكثر اقتناعًا بأن ترك المضيق رهينة للابتزاز سيخلق سابقة تهدد النظام التجاري العالمي بأكمله. يضاف إلى ذلك التأسيس لبدائل مستقبلية تستغني كليا عن مضيق هرمز وأي مناطق سيطرة لإيران وحلفائها.
أما الرهان على أوراق أخرى، مثل الحوثيين، فيبدو هو الآخر أقل فعالية مما كان عليه سابقًا. فالجماعة لا تزال قادرة على إحداث اضطراب موضعي في البحر الأحمر، لكنها لم تعد تمتلك القدرة على تغيير موازين القوى أو فرض معادلات استراتيجية جديدة، خاصة مع تطور قدرات الاعتراض البحري والجوي، واتساع التنسيق الدولي لحماية خطوط الملاحة.
في النهاية، تبدو إيران وكأنها تخوض معركة استنزاف متعددة الاتجاهات، لكنها تواجه خصمًا تعلم من تجارب الماضي. فالرهان على إعادة تفسير الاتفاقات قد ينجح في إبطاء تنفيذها، لكنه لا يغير ميزان القوى الذي أنتجها. وإذا كان التفاوض بالنسبة إلى طهران امتدادًا للحرب بوسائل أخرى، فإن واشنطن تبدو مصممة هذه المرة على ألا يتحول وقف إطلاق النار إلى فرصة تمنح إيران ما عجزت عن تحقيقه في ميدان القتال.