الاستثمار في الطاقة النظيفة رهان المغرب لبلوغ الاكتفاء الذاتي
الرباط - اتجه المغرب خلال السنوات الماضية إلى تعزيز الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة في محاولة للحد من اعتماده شبه الكامل على الطاقة الأحفورية، إذ يستورد معظم حاجاته من الطاقة، ما يضغط على الميزان التجاري ويرفع فاتورة الطاقة.
وبلغت قيمة هذه الفاتورة نحو 12.2 مليار دولار في 2024، وقاربت 9.43 مليار دولار العام الماضي، وهو ما دفع البلاد إلى الإسراع في تقليص هذا الاعتماد.
وحقق المغرب في العامين الماضيين تقدما كبيرا في مجال الطاقة المتجددة، بعد أن وصلت قدرته الإنتاجية إلى 5.6 غيغاواط، ليصبح من بين الدول الأكثر تقدما في هذا القطاع في قارة أفريقيا.
وتؤكد الحكومة إنها رفعت حصة الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة بأكثر من تسعة في المئة لتشكل ما يزيد على 46 في المئة في 2025.
وقالت ليلى بنعلي وزيرة الانتقال الطاقي أمام البرلمان في ديسمبر الماضي إنه في 2023 “ضاعفنا الاستثمارات ثلاث مرات في الطاقات المتجددة سنويا، وخمس مرات في الشبكة الكهربائية التي تمكننا من استيعاب الطاقة النظيفة”.
وقد تضاعفت الاستثمارات الخاصة في الطاقات البديلة أربع مرات، لتصل إلى 3.1 مليار دولار تقريبا منذ 2021، مقابل 1.98 مليار دولار خلال العقد السابق. وتهدف البلاد إلى رفع نسبة الطاقة المتجددة إلى 52 في المئة من مزيج الطاقة الكهربية بحلول 2030.
وبدأ المغرب مساره نحو الطاقة النظيفة في 2009 من خلال الاستثمار في مصادره الطبيعية خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتم إطلاق محطة نور ورزازات في الجنوب، وهي أكبر منشأة للطاقة الشمسية المركزة بالعالم بقدرة إجمالية تصل إلى 580 ميغاواط.
كما سعى إلى إنشاء محطات شمسية أخرى منها مشروع نور ميدلت بوسط البلاد لكنه لم يبدأ العمل بعد.
ورفع المغرب قدرته الإنتاجية من الطاقة الشمسية إلى 831 ميغاواط رغم أن الخطة الأولية كانت تهدف إلى بلوغ 2000 ميغاواط في 2020، لكن مشكلات تقنية عطلت التنفيذ، وفق مصادر تحدثت لرويترز.
ووصل عدد مشاريع الطاقة المتجددة في المغرب المنجزة أو قيد التطوير حتى 2025 نحو 111 مشروعا بقدرة إجمالية مركبة تبلغ 3950 ميغاواط، بينها 1430 ميغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، و1770 من الطاقة الكهرومائية.
ورغم التوسع في محطات طاقة الرياح، لا تزال محطات الفحم تشكل الجزء الأكبر من الإنتاج. وتستهدف خطة الحكومة التخلص التدريجي من الفحم في توليد الكهرباء بحلول عام 2040.
وانضم المغرب في عام 2023 إلى تحالف دعم التخلي عن الفحم في توليد الطاقة، الذي يضم نحو 60 دولة.
وقال الخبير الاقتصادي المتخصص في التنمية سامي أمين لرويترز ” بالرغم من التقدم الحاصل، فلا يزال هناك العديد من التحديات التي تواجه المغرب في استغلال واستعمال الطاقات البديلة.”
وأوضح أن “الشبكة والمرونة” تأتي على رأس هذه التحديات و”ليس فقط بناء محطات، فالمغرب يوسع إنتاج الطاقة المتجددة بسرعة، لكن ذلك يتطلب شبكة نقل أقوى مع مرونة التخزين،” مؤكدا أهمية الاستثمار في تحديث الشبكة الكهربائية.
وأضاف أن “كل ميغاواط إضافي من الطاقة الشمسية أو الرياح قد يتحول إلى فائض غير مستغل خلال ساعات الذروة ما لم تتوفر مرونة كافية للتخزين.” واعتبر أن تحول الطاقة ليس ملفا بيئيا فقط بل “قضية سيادة اقتصادية وتقليل لنزيف العملة الصعبة”.
وأشار إلى أنه في العام 2022 وصلت الواردات من الطاقة 94 في المئة، بحسب الوكالة الدولية للطاقة المتجددة.
ويضع المغرب الربط الكهربائي ضمن أولوياته الإستراتيجية وحقق نجاحات في هذا المجال مؤخرا أبرزها خط الربط الكهربائي مع إسبانيا.
وأتاح البلد لإسبانيا استخدام 38 في المئة من قدرته الإنتاجية من الكهرباء للمساعدة في إعادة التيار خلال الانقطاع الواسع الذي شهدته في أبريل الماضي.
وفي فبراير 2025 وقع اتفاقا للربط الكهربائي مع موريتانيا بهدف إنشاء شبكة كهرباء تربط غرب أفريقيا بأوروبا، كما يعمل على مشروع ربط مع البرتغال بميزانية تقارب 437 مليون دولار.
وترى الحكومة أن تعزيز ربط الطاقة وتنمية الطاقات المتجددة يأتيان ضمن رؤية أوسع للاندماج الإقليمي.
وقال أمين إن “الطاقة البديلة في المغرب تعتبر مشروع سيادة قبل أن تكون مشروع كهرباء إذ تهدف إلى حماية الاقتصاد من تقلبات الأسواق وتحويل الطاقة إلى أصل استراتيجي قابل للتسعير والتمويل والرهن”.
وأضاف “من يملك كهرباء أرخص وأكثر استقرارا يربح الصناعة والتصدير والبيانات والهيدروجين، وبالتالي فنحن نتكلم عن سيادة تنافسية”.
ويخطط المغرب لإنتاج ثلاثة ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنويا بحلول 2030 مستهدفا أربعة في المئة من الطلب العالمي.
وفي عام 2024 وقع شراكة مع ألمانيا لإنتاج نحو 10 آلاف طن من الهيدروجين سنويا، أي ما يكفي لإنتاج 50 ألف طن من الصلب المُنتج باستخدام الطاقة النظيفة.
وبحسب بيانات الاتحاد الدولي للغاز، تبلغ تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر في المغرب نحو 4.6 دولار للكيلوجرام الواحد.
وقال عمر المنقاشي وهو أستاذ جامعي وخبير مغربي متخصص في الهيدروجين الأخضر لرويترز إن “المغرب بحاجة إلى الإسراع في حلول التخزين وتحويل الطاقة المتجددة إلى هيدروجين أخضر معتبرا ذلك خطوة رئيسية لتعزيز أمن الطاقة.”
وأوضح أن البلاد تمتلك مقومات مهمة، منها الموارد الطبيعية والرؤية الإستراتيجية، لكنها تحتاج إلى التركيز على تطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، ودعم البحث العلمي، وتعزيز البنية التحتية وتنويع الشراكات.
وأشار إلى أن التحدي الأكبر يكمن في “رأس المال البشري والابتكار المحلي،” مؤكدا ضرورة الاستثمار في تدريب الكفاءات التقنية المتخصصة في مجالات تخزين الهيدروجين والأمونيا الأخضر.