الإمارات وإيران: نموذجان متناقضان
لم يكن تركيز إيران على استهداف الإمارات مجرد موقف اعتباطي أو رد فعل ظرفي على تحالفات إقليمية، بل يعكس حالة أعمق من القلق البنيوي تجاه نموذج صاعد في المنطقة. لا يمكن تفسير حجم العداء الإيراني للإمارات من خلال موجة الإشاعات والاتهامات بشأن علاقتها مع أميركا وإسرائيل؛ فهذه مجرد واجهة لحقيقة أكبر، مفادها أن هناك مواجهة غير معلنة بين مشروعين متناقضين: مشروع يبني الدولة من الداخل، وآخر يستهلكها في صراعات الخارج.
هي مواجهة، في أحد وجوهها، امتداد للصراع بين نموذجين: بلد أول يؤسس لحكم براغماتي يركز على التطور الاقتصادي والاجتماعي والابتعاد عن صراعات الماضي، وآخر ينضوي تحت مظلة الإسلام السياسي، الذي يرهن الدول للمعارك والصراعات، ويستنزف القدرات في خطط التمدد الإقليمي وإثارة الأزمات عبر استدعاء معارك التاريخ.
ما يزعج طهران في أبوظبي لا يختزل في الاتفاقيات الإبراهيمية أو في العلاقة المتقدمة مع الولايات المتحدة عسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أكثر إزعاجًا: نجاح نموذج لا يحتاج إلى الأيديولوجيا ولا إلى الميليشيات كي يفرض نفسه، بل يراهن على الاستقرار والتنمية والانفتاح.
إن التكثيف في قصف الإمارات يخفي إحساسًا بالعجز عن المنافسة في إنتاج نموذج مستقر يخدم الناس ويحظى بتقدير مؤسسات دولية وازنة وذات مصداقية. والمشكلة أبعد من كون إيران بلدًا ذا جغرافيا ممتدة وقوة عسكرية وتتدخل لصناعة أزمات في أكثر من منطقة؛ فهذه عناصر لا تصنع قوة، ولا تجلب إشادة، ولا تؤسس للاستقرار، ولا تكسب ودّ الشارع الإيراني، الذي لا يفوّت الفرصة للاحتجاج والمطالبة بتحسين ظروف العيش، والحد من ارتفاع الأسعار، وتوفير الماء والكهرباء، ومقاومة التلوث الذي يخنق العاصمة.
ما يزعج طهران في أبوظبي لا يختزل في الاتفاقيات الإبراهيمية أو في العلاقة المتقدمة مع الولايات المتحدة بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أكثر: نجاح نموذج لا يحتاج إلى الأيديولوجيا
تمتلك إيران قدرات سكانية وجغرافية ونفطية تؤهلها لتحقيق هذه المطالب، لكن وهم تصدير الثورة، والسعي للهيمنة على الإقليم، ومزاحمة أميركا على النفوذ، كلها عوامل تعيق هذه الأحلام البسيطة. وعلى العكس من ذلك، نجحت الإمارات، رغم صغرها الجغرافي، في بناء نموذج متطور يخدم الإنسان ويحسن مستوى معيشته. وقد خلقت المقارنة الصامتة التي يجريها الإيرانيون مع هذا “الجار الصغير” شعورًا بالعجز، يحاول النظام التخفيف منه عبر عدوان عبثي على الإمارات وبقية دول الخليج.
ولو أجرينا مقارنة بسيطة، لوجدنا أن الأرقام الاقتصادية تفضح ما تحاول إيران تغطيته بسيل الشعارات، ومنها الإيحاء بأنها مكلفة بمهمة “تحرير القدس”، وهو شعار ظل لعقود غطاء للفوضى والمغامرات العسكرية والسياسية في الإقليم.
لا تكون الأرقام مجرد مؤشرات اقتصادية، بل تتحول إلى مرآة تعكس طبيعة الخيارات السياسية، خاصة حين تصدر بشكل متواصل عن منظمات وهيئات اقتصادية مختصة لا مجال فيها للمجاملة. وهنا تبدو المفارقة صارخة.
تحقق الإمارات نموًا اقتصاديًا مستقرًا، بما يعكس بيئة اقتصادية متماسكة وسياسات نقدية فعالة. في المقابل، يعاني الاقتصاد الإيراني من تضخم مزمن يبلغ أحيانًا 50 في المئة، وهو مستوى كفيل بإضعاف أي طبقة وسطى وإعادة إنتاج الأزمات الاجتماعية.
وتتسع الفجوة أكثر عند النظر إلى دخل الفرد: أكثر من 50 ألف دولار سنويًا في الإمارات، مقابل أقل من 4 آلاف دولار في إيران.
هذه الأرقام لا يمكن تفسيرها بعامل الموارد؛ فإيران، نظريًا، تمتلك كل المقومات لتكون قوة اقتصادية إقليمية: احتياطات ضخمة من النفط والغاز، قاعدة سكانية كبيرة، وموقع جغرافي استراتيجي. لكن الفارق الحقيقي يكمن في كيفية توظيف هذه الموارد.
اختارت الإمارات أن تستثمر في الإنسان، وفي البنية التحتية، وفي تنويع الاقتصاد، وأن تهيئ نفسها لمرحلة ما بعد النفط. أما إيران، فقد استنزفت جزءًا معتبرًا من مواردها في مسارات موازية: الإنفاق العسكري، وتطوير البرامج الصاروخية، وتمويل شبكات النفوذ في الخارج.
والنتيجة واضحة: اقتصاد يتجه نحو المستقبل، مقابل اقتصاد يراوح مكانه تحت ضغط العقوبات وأوهام النفوذ الإقليمي.
ومن المهم الإشارة إلى أن الاختلاف بين النموذجين لا يتوقف عند الاقتصاد، بل يمتد إلى طبيعة الدولة نفسها. ففي الحالة الإماراتية، هناك رهان واضح على الدولة الوطنية بوصفها إطارًا جامعًا للاستقرار والتنمية، تُبنى الشرعية فيه على الأداء الاقتصادي وجودة الحياة، لا على التعبئة الأيديولوجية.
في المقابل، يقوم النموذج الإيراني على معادلة معقدة، لا تحتل فيها الدولة الدور المحوري، في ظل سيطرة كيانات موازية؛ فمؤسسة المرشد دولة داخل الدولة، وكذلك الحرس الثوري، حيث لكل دائرة نفوذ عالمها المغلق وموازناتها الخاصة، مع إنفاق كبير على ملفات لا صلة لها بتحسين أوضاع الناس وبناء اقتصاد مستقر، بل يتركز على التسليح والبرنامج النووي وتمويل الميليشيات الإقليمية بوصفها أدوات لمشروع تصدير الثورة.
هذا النمط من السلطة المتشظية لا يعزز الاستقرار، بل يبقي الدولة في حالة توازن هش، تتراجع فيه سلطة المؤسسات لصالح مراكز النفوذ. وبدل بناء دولة وطنية قوية، أفرزت ثورة 1979 نظامًا متعدد الأجنحة ساهم في إضعاف إيران اقتصاديًا، وأغرقها في الأزمات الإقليمية والدولية، ودفعها إلى صدامات مكلفة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ما تخشاه طهران، ليس فقط سياسات الإمارات، بل قابلية نموذجها للانتشار، فكلما أثبت هذا النموذج نجاحه، تراجع تأثير خطاب الصراع والتعبئة الطائفية
يعتقد النظام الإيراني أن القوة لا تستمد من الدولة، بل من مشروع عابر للحدود، وهو مشروع طائفي لا يهدد استقرار الدولة فحسب، بل يقود إلى فوضى إقليمية ترهن إيران استراتيجيًا للحروب. في المقابل، ينظر الإماراتيون إلى القوة بوصفها القدرة على بناء اقتصاد مستقر، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العيش، وأن النفوذ الإقليمي والدولي يمكن أن يُبنى عبر الشراكات لا الصراعات.
لا يضع النظام الإيراني في مقاربته للقوة عناصر فعالة وناعمة خارج إطار تصدير الثورة بصيغتها العنيفة، أي دعم كيانات عسكرية ومجاميع طائفية، مع غياب شبه كامل للاستثمارات والشراكات الاقتصادية. في المقابل، بنت الإمارات منظومة نفوذ ناعمة تقوم على توسيع دائرة المساعدات، خاصة في مناطق الأزمات مثل الأراضي الفلسطينية وغزة واليمن والسودان.
بالتوازي، عملت الإمارات على ترسيخ مفهوم التسامح الديني والثقافي، ليس كشعار دعائي، بل كسياسة عامة، من خلال مبادرات مثل “بيت العائلة الإبراهيمية” في أبوظبي، وتمكين مختلف الأديان من ممارسة شعائرها، بما يعكس نموذجًا للتعايش في منطقة مثقلة بالانقسامات.
لم يكن خلاف الإمارات مع جماعات الإسلام السياسي رد فعل ظرفيًا، بل هو خيار استراتيجي يقوم على رفض منطق الصراع المفتوح، والسعي إلى تجنيب المنطقة دورات جديدة من الفوضى.
في المقابل، يعتمد النموذج الإيراني بدرجة كبيرة على توظيف البعد المذهبي في بناء النفوذ، سواء عبر الخطاب أو التحالفات، وهو خيار قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه يعمّق الانقسامات ويقوّض فرص الاستقرار.
في ضوء هذه المعطيات، يصبح استهداف الإمارات مفهومًا ضمن منطق صراع النماذج. فالهجمات التي طالتها لم تكن مجرد تطور عسكري معزول، بل رسالة واضحة بأن نموذج الاستقرار نفسه يمكن أن يكون هدفًا. فالدولة التي تقدم بديلًا عمليًا عن الفوضى تتحول، بالضرورة، إلى تهديد لمن يستثمر في تلك الفوضى.
كما تتعرض الإمارات لحملات سياسية وإعلامية متكررة، تحاول التشكيك في خياراتها أو تصويرها كجزء من استقطاب إقليمي، في حين أن جوهر سياساتها يقوم على تقليل الاعتماد على هذه الاستقطابات.
ما تخشاه طهران، في هذا السياق، ليس فقط سياسات الإمارات، بل قابلية نموذجها للانتشار، فكلما أثبت هذا النموذج نجاحه، تراجع تأثير خطاب الصراع والتعبئة الطائفية.
في النهاية، لا يبدو الصراع بين إيران والإمارات صراع نفوذ تقليدي بقدر ما هو صراع على تعريف الدولة نفسها: هل تكون أداة للاستقرار وبناء الإنسان، أم منصة للصراع وتصدير الأزمات؟ وبين نموذج يراكم الإنجاز بصمت، وآخر يراكم التوتر بالشعارات، تميل الكفة تدريجيًا لصالح من ينجح في تحسين حياة مواطنيه. فالتاريخ، في محصلته، لا ينحاز لمن يرفع الصوت أعلى، بل لمن يبني أكثر.