الإمارات أمام اختبار أمني مع إيران

كيف تحمي أبوظبي مجالها الجوي ومياهها ومصالحها من أي تهديد إيراني دون أن تتحول إلى طرف مباشر
الاثنين 2026/08/31
فصل الدفاع عن العمليات الهجومية

أبوظبي – دخلت الإمارات مرحلة جديدة في علاقتها بإيران، تبدو فيها المسافة بين «الحياد» والانخراط في المواجهة أكثر ضيقاً من أي وقت مضى. فمع اتساع رقعة التصعيد الأميركي ـ الإيراني في الخليج، وجدت أبوظبي نفسها أمام تهديد أمني مباشر تمثل في تكرر محاولات الاستهداف عبر المسيرات أو الصواريخ وتهديد السفن.

وأعلنت وزارة الدفاع الإماراتية، الاثنين، أن قواتها الجوية تعاملت مع مسيّرة دخلت المجال فوق المياه الإقليمية للدولة قادمة من إيران، مؤكدة أن القوات المسلحة في أعلى درجات الاستعداد، وأن منظومات الدفاع الجوي تواصل رصد الأجواء على مدار الساعة.

وجاء الإعلان في وقت بالغ الحساسية، بعد عودة المواجهة بين واشنطن وطهران إلى التصعيد، إثر ضربات أميركية استهدفت مواقع إيرانية في جزيرة لارك بمضيق هرمز. وقالت إيران إنها ردت باستهداف مواقع أميركية في المنطقة، بينها مواقع في الإمارات والأردن، بينما نفت أبوظبي تعرض قاعدة المنهاد الجوية لقصف صاروخي، في تناقض مع الرواية الإيرانية التي تحدثت عن استهداف القوات الأميركية الموجودة في القاعدة.

لكن أهمية هذه الحوادث لا تكمن في بعدها العسكري وحده، بل في أنها تضع الإمارات أمام معادلة دقيقة: كيف تحمي مجالها الجوي ومياهها ومصالحها من أي تهديد إيراني، من دون أن تتحول إلى طرف مباشر في الحرب الأميركية ـ الإيرانية؟

الموقف الإماراتي من إيران لم يبدأ مع حوادث الاستهداف الأخيرة. فقد اتخذت أبوظبي في أغسطس خطوة اقتصادية لافتة عندما أعلنت وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع طهران حتى إشعار آخر، مبررة القرار بالتطورات الإقليمية التي قوّضت الأمن والاستقرار.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من توقيتها. فقد جاءت قبل إعلان واشنطن العقوبات الاقتصادية الجديدة التي استهدفت شبكات مرتبطة بإيران، ما يعكس أن أبوظبي كانت تتحرك في سياق تحذير الإيرانيين من تكرر الاستهداف ضد مواقع إماراتية وليس انخراطا في مسار حصار اقتصادي أميركي.

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن لاحقاً أن دولاً وشركات حصلت على جداول زمنية لوقف التعامل التجاري مع إيران أو مواجهة عقوبات أميركية، في إطار استراتيجية واشنطن الرامية إلى زيادة العزلة الاقتصادية لطهران.

الرسالة مزدوجة حملها بيان وزارة الدفاع: الإمارات مستعدة للدفاع عن نفسها، لكنها لا تريد تقديم نفسها بوصفها قاعدة للهجوم على إيران.

ومن ثم، فإن القرار الإماراتي يمكن قراءته باعتباره جزءاً من إدارة المخاطر أكثر منه إعلاناً عن انضمام أبوظبي إلى الحرب. فالإمارات، التي لعبت التجارة والقطاع المالي فيها دوراً مهماً في العلاقات الاقتصادية الإقليمية، تدرك أن استمرار الروابط مع إيران في ظل الحرب والعقوبات يمكن أن يعرّض مؤسساتها المالية والتجارية لضغوط أكبر.

وهذا ما يجعل القرار الاقتصادي سابقاً على التطورات العسكرية الحالية ذا دلالة سياسية أيضاً. فأبوظبي لا تنتظر بالضرورة حتى تفرض عليها واشنطن خياراتها، وإنما تحاول إعادة ترتيب العلاقة مع طهران وفق حساباتها الخاصة للأمن والاستقرار والمصالح الاقتصادية.

لكن الاقتصاد ليس سوى جانب واحد من المشكلة.

فوجود منشآت عسكرية أميركية في الإمارات يجعل البلاد جزءاً من الحسابات الإيرانية في أي مواجهة مع واشنطن، حتى لو لم تشارك القوات الإماراتية في العمليات الأميركية. وتتحول القواعد التي تستضيف قوات أميركية، في هذه الحالة، إلى عامل يزيد حساسية الموقف الإماراتي، لأن أي هجوم يستهدف القوات الأميركية يمكن أن يقترب من الأراضي الإماراتية أو المجال الجوي للدولة.

ولذلك يبدو الخطاب الإماراتي حريصاً على الفصل بين أمرين: التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة من جهة، والمشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران من جهة أخرى.

ويبرز هذا الفصل بوضوح في طريقة تعامل أبوظبي مع التطورات الأخيرة. فعندما تحدثت طهران عن استهداف قاعدة المنهاد، سارعت الإمارات إلى نفي ذلك، بينما أعلنت في الوقت نفسه اعتراض المسيّرة القادمة من إيران. الرسالة هنا مزدوجة: الإمارات مستعدة للدفاع عن نفسها، لكنها لا تريد تقديم نفسها بوصفها قاعدة للهجوم على إيران.

وهذه المعادلة تمنح أبوظبي مساحة سياسية مهمة في التعامل مع طهران، وتساعدها على الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة، حتى في ظل تدهور العلاقات الاقتصادية والأمنية.

وتدرك الإمارات أن اتساع المواجهة مع إيران لن تكون كلفته عسكرية فقط. فالموقع الجغرافي للدولة يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطراب في الخليج ومضيق هرمز، سواء تعلق الأمر بالملاحة أو الطاقة أو التجارة أو حركة رؤوس الأموال.

ولهذا فإن مصلحة أبوظبي تبدو أقرب إلى احتواء التصعيد وليس توسيعه. فهي تريد أن تكون قادرة على اعتراض الصواريخ والمسيّرات، وحماية منشآتها وموانئها ومجالها الجوي، لكنها لا تبدو معنية بتحويل هذه العمليات الدفاعية إلى حملة عسكرية ضد إيران، أو انخراط في صراع ضمن مظلة أميركية.

وهذا يفسر أهمية اللغة التي تستخدمها الإمارات في وصف تحركاتها العسكرية. فالحديث عن «التعامل» مع مسيّرة، ورفع درجة الجاهزية، ورصد المجال الجوي، يضع الإجراءات في إطار الدفاع عن السيادة وليس المشاركة في العمليات الهجومية.