الإعلام الإيراني يقلل من تهديدات ترامب لتعزيز الجبهة الداخلية
طهران- برزت ردود فعل إعلامية إيرانية متسقة تقلل من شأن تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب. تركز هذه الردود على وصف التصريحات الأميركية بـ"الحرب النفسية" و"الدعاية الإعلامية"، معتبرة إياها محاولة للضغط السياسي والاقتصادي أكثر من كونها نية حقيقية لتنفيذ عمليات واسعة النطاق.
وأعلن ترامب مؤخراً، عبر منصة "تروث سوشيال"، عن إطلاق ما وصفه بـ"أكبر عملية اقتصادية ساحقة ضد أي دولة في التاريخ"، محذراً من عواقب اقتصادية هائلة على أي دولة تدعم إيران، ومطالباً بمساعدة الحلفاء لمواجهة "التهديد الإيراني". جاءت هذه التصريحات وسط مفاوضات متوقفة تتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز، الذي شهد اضطرابات منذ أشهر سابقة، وتهديدات عسكرية سابقة شملت تحركات أساطيل أمريكية وتهديدات بضربات على منشآت نووية أو بنية تحتية.
لم يكن هذا أول تهديد من نوعه. خلال الأشهر الماضية، استخدم ترامب لغة تصعيدية متكررة، مثل الإشارة إلى أن "الوقت ينفد" أو التلويح بأسطول "ضخم" يتجه نحو المنطقة، أو الإعلان عن إلغاء ضربات مخطط لها "لإعطاء الدبلوماسية فرصة". وفي كل مرة، رد الإعلام الرسمي وشبه الرسمي الإيراني بنبرة مشابهة: التهديدات جزء من حرب نفسية تهدف إلى التأثير على الرأي العام الداخلي الإيراني أو دفع طهران لتنازلات تفاوضية.
ركزت وكالات مثل فارس شبه الرسمية والمرتبطة بالحرس الثوري وتسنيم على التقليل من أهمية الإعلان الأخير. كتبت فارس على تليغرام أن ترامب "تحدث مراراً في الماضي عن الانهيار الوشيك لإيران وإجراءات تاريخية"، وأن الادعاءات الجديدة ليست سوى "الحرب النفسية والحملة الدعائية المعتادة". أما تسنيم، فأكدت أن الإعلان "ليس تطوراً جديداً"، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة تحاول منذ سنوات عزل إيران مالياً واقتصادياً، لكن طهران "تعلمت كيفية الالتفاف على هذه القيود وأصبحت ماهرة جداً في ذلك".
وهذا الخطاب ليس جديداً. في أغسطس 2026، بعد إعلان ترامب إلغاء ضربات مخطط لها، وصف مسؤولون إيرانيون، بمن فيهم القائم بأعمال وزير الدفاع العميد مجيد ابن الرضا، التصريحات بـ"جزء من العمليات النفسية والحرب الإلكترونية"، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن طهران تتعامل مع كل تهديد على أنه "حقيقي" وترفع مستوى جاهزيتها الردعية.
وفي مناسبات سابقة خلال العام، مثل يناير وفبراير 2026، ردد مسؤولون عسكريون ودبلوماسيون، بمن فيهم وزير الخارجية عباس عراقجي، عبارات مثل "أصابعنا على الزناد" رداً على تهديدات ترامب، مع وصف الحشود الأميركية بـ"تضخيم إعلامي" يهدف إلى الضغط النفسي.
ويبدو أن الإعلام الإيراني يتبع استراتيجية منسقة تهدف إلى تعزيز الصمود الداخلي من خلال تصوير التهديدات كـ"دعاية فارغة" أو "جبل يلد فأراً"، يسعى إلى منع الذعر بين السكان والحفاظ على معنويات الجبهة الداخلية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات والحرب المحدودة.
كما يسعى إلى إظهار التفوق التفاوضي. ويرى المحللون الإيرانيون في هذا السياق أن التهديدات المتكررة دون تنفيذ كامل تشير إلى ضعف أو تردد أميركي، مما يمنح طهران مساحة للمناورة حول مضيق هرمز أو الملف النووي.
وتستخدم إيران أيضا أدوات الحرب النفسية، بما في ذلك المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والميمز والسخرية من ترامب، في محاولة للتأثير على الرأي العام الأميركي والدولي. أقر ترامب نفسه في وقت سابق بأن إيران "بارعة جداً" في التلاعب الإعلامي.
من جهة أخرى، يحذر مراقبون غربيون وإقليميون من أن هذا التقليل قد يكون محفوفاً بالمخاطر. فالتصريحات الأميركية، حتى لو كانت جزءاً من ضغط نفسي، تترافق أحياناً مع تحركات عسكرية حقيقية، وقد أدت سابقاً إلى جولات محدودة من التصعيد. كما أن التركيز على "الحرب النفسية" يساعد النظام على تحويل الانتباه عن التحديات الاقتصادية الداخلية أو الخسائر المحتملة.
يستمر الإعلام الإيراني في تبني رواية موحدة تقلل من تهديدات ترامب، معتبرة إياها امتداداً لسياسة "الضغط الأقصى" الفاشلة سابقاً. هذه الرواية تعكس مزيجاً من الثقة بالقدرة على الصمود والخبرة في التعامل مع الحملات الإعلامية الغربية.
ومع استمرار الجمود في المفاوضات حول هرمز والملف النووي، من المرجح أن تظل الحرب النفسية والإعلامية الساحة الرئيسية للمواجهة، إلى جانب الاستعدادات العسكرية على الجانبين.