الإطار التنسيقي يمنح نوابه حرية اختيار رئيس العراق
بغداد- دعا الإطار التنسيقي في العراق، مساء الأربعاء، نوابه إلى أن يكونوا “أحرارًا في اختياراتهم” لمرشح رئاسة الجمهورية في حال تعذر التوصل إلى اتفاق على مرشح واحد، مؤكداً على ضرورة حسم هذا الملف واحترام التوقيتات الدستورية لإنهاء حالة التعطيل التي تشهدها المؤسسات الحكومية.
وجاءت تصريحات الإطار خلال اجتماعه الدوري لمتابعة آخر المستجدات السياسية والإقليمية، وبحث تطورات المرحلة الراهنة، وفق بيان رسمي صادر عن دائرته الإعلامية ونقلته وكالة الأنباء العراقية “واع”.
وأكد البيان على أن “الإطار التنسيقي جدّد تأكيده على أهمية احترام التوقيتات الدستورية والالتزام بها وفق المدد التي نص عليها الدستور العراقي”، داعياً إلى “حسم ملف رئاسة الجمهورية خلال فترة قصيرة”، وشدّد على أن استمرار تعطّل مؤسسات الدولة لا يتناسب مع حجم التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه العراق.
وجاءت دعوة الإطار بعد زيارة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وهو قيادي بارز في الإطار التنسيقي، إلى محافظتي أربيل والسليمانية في شمال العراق، لمناقشة إمكانية حسم منصب رئاسة الجمهورية والمضي قدماً بتشكيل حكومة “تلبي تطلعات العراقيين”.
ورافق السوداني وفد سياسي رفيع ضمّ الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري، ورئيس ائتلاف الأساس محسن المندلاوي، والأمين العام عباس راضي، في خطوة تهدف إلى توحيد الرؤى بين المكون الكردي والإطار التنسيقي لتسهيل الاتفاق على المرشح المناسب.
ويأتي هذا التحرك السياسي في ظل استمرار التأجيل البرلماني، إذ قرر البرلمان، الأحد الماضي، تأجيل جلسة انتخاب رئيس للبلاد إلى أجل غير مسمى، رغم النص الدستوري الذي يلزم بانتخاب رئيس الجمهورية خلال ثلاثين يوماً من انعقاد المجلس، وفق المادة 72.
ويتنافس عادة على هذا المنصب، المخصص للمكون الكردي، حزبا الديمقراطي والاتحاد الوطني، فيما يشكل الإطار التنسيقي القوة الأساسية في توجيه اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، ويضم تحالفات كبيرة مثل الفتح، دولة القانون، قوى الدولة الوطنية، وحركات عسكرية وسياسية أخرى مثل كتائب حزب الله والنجباء.
وتعكس تصريحات الإطار التنسيقي وإجراءاته الأخيرة مزيجاً من الضغط السياسي والمرونة التكتيكية. فالحديث عن حرية اختيار النواب في حال عدم الاتفاق على مرشح واحد يشير إلى استعداد الإطار لإيجاد مخرج للأزمة، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على سقف نفوذه في عملية اختيار الرئاسة، بما يضمن استمرار تأثيره على تشكيل الحكومة المقبلة.
الحديث عن حرية اختيار النواب في حال عدم الاتفاق على مرشح واحد يشير إلى استعداد الإطار لإيجاد مخرج للأزمة، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على سقف نفوذه في عملية اختيار الرئاسة، بما يضمن استمرار تأثيره على تشكيل الحكومة المقبلة
كما يعكس هذا الموقف إدراك القيادات الشيعية لحساسية الوضع، خصوصاً في ضوء التوترات بين المكونات الكردية والعربية، والرغبة في تفادي فراغ دستوري طويل قد يؤدي إلى مزيد من الإرباك السياسي.
وتحمل زيارة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني للمناطق الكردية دلالات رمزية وسياسية في الوقت نفسه. فهي تشير إلى محاولة الإطار التنسيقي تأكيد دوره كوسيط بين المكونات السياسية، وللتأكيد على أن التوافق مع القوى الكردية هو الطريق الأسرع لإنهاء التعطيل المؤسساتي، مع الحفاظ على ما وصفه الإطار بالمصلحة الوطنية العليا.
كما تشكل هذه الزيارات فرصة لتقديم مقترحات واقعية لتسهيل التوافق، بما يسرّع عملية انتخاب رئيس الجمهورية ويحد من استمرار الفراغ السياسي الذي يعطل عمل مؤسسات الدولة.
وعلى الصعيد الدستوري، تتصاعد المخاطر مع تجاوز المدد القانونية المنصوص عليها في المواد 72 و76. فالبرلمان عقد أولى جلساته في 29 ديسمبر الماضي، وانتخب رئيسه هيبت الحلبوسي، ما يعني تجاوز الفترة القانونية لانتخاب رئيس الجمهورية، وهو ما قد يفتح الباب أمام تدخل القضاء الأعلى لتأكيد الالتزام بالدستور.
ويؤكد مجلس القضاء الأعلى، كما أعلن الخميس، على ضرورة احترام التوقيتات الدستورية لإكمال إجراءات تعيين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ما يزيد من ضغوط الإطار التنسيقي على الأطراف السياسية الكردية للتوصل إلى توافق سريع.
ويشير التحليل السياسي إلى أن الأزمة الحالية في رئاسة الجمهورية ليست مجرد خلاف على الأسماء، بل هي تعبير عن تنافس أوسع بين القوى السياسية العراقية على النفوذ والتحكم بمفاصل الدولة، خصوصاً في ظل نظام المحاصصة الذي يمنح كل مكون سياسي حصة ثابتة في المناصب العليا.
ويبرز هنا دور الإطار التنسيقي كأكبر تحالف شيعي في العراق، وهو الذي يمتلك القدرة على تحديد مسار تشكيل الحكومة عبر تشكيل الأغلبية النيابية واختيار رئيس الوزراء، وهو ما يجعل موقفه الحاسم في قضية رئاسة الجمهورية مفتاحًا لحل الأزمة أو استمرارها.
كما يشير التأخير في انتخاب رئيس الجمهورية إلى تداعيات محتملة على الاستقرار السياسي والاقتصادي في العراق. فالفراغ الرئاسي يؤخر عملية تكليف رئيس الحكومة بتشكيل المجلس الوزاري خلال خمسة عشر يوماً من انتخاب الرئيس، بحسب المادة 76، ما يؤدي إلى تعطيل القرارات التنفيذية والمشاريع الحكومية، ويضعف قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية الملحة، خصوصاً في ظل استمرار النزاعات الإقليمية والضغوط الداخلية من مختلف المكونات السياسية.
وفي هذا السياق، يبدو أن الإطار التنسيقي يسعى لموازنة بين الضغط السياسي على الأطراف الكردية لتسريع التوافق، والحفاظ على صورته كقوة قادرة على إنهاء التعطيل، دون الانجرار إلى صدام مباشر قد يضر بمصالحه الاستراتيجية.
كما يوضح البيان الأخير للإطار أهمية دور المسؤولين في إقليم كردستان في دراسة المقترحات المقدمة خلال زيارة الوفد الأخير، وهو ما يشير إلى أن العملية السياسية لا تزال تتطلب حوارًا وتفاوضًا دقيقًا بين بغداد وأربيل لتحقيق توافق حقيقي ومستدام.
ويقف العراق اليوم عند مفترق طرق سياسي، حيث يمثل ملف رئاسة الجمهورية اختبارًا لقدرة القوى السياسية على التوافق، وإنهاء التعطيل الدستوري، وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي.
ويبدو أن الإطار التنسيقي، بصفته اللاعب الأساسي في المشهد الشيعي والسياسي العراقي، يسعى لتقديم مخرج للأزمة عبر دمج الضغوط السياسية مع التوافق مع المكونات الكردية، بما يضمن استمرار استقرار الدولة واستكمال المؤسسات الدستورية الحيوية، دون الانجرار إلى فراغ طويل أو صراعات قد تعطل الحكومة المقبلة عن الوفاء بمهامها الوطنية الملحة.