اعتراف منقوص بالكردية يحوّل مدارس سوريا إلى ساحة مواجهة

كان ينظر إلى المرسوم كتحول تاريخي بعد عقود من التهميش والإنكار في عهد نظام الأسد، لكن التطبيق العملي كشف عن فجوة كبيرة بين النص والواقع.
الجمعة 2026/09/18
توتر تعليمي

دمشق- في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الكردية السورية، أصدرت وزارة التربية في الحكومة السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع قراراً يعترف باللغة الكردية كلغة وطنية ويسمح بتدريسها ثلاث حصص أسبوعياً فقط في المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية، إلى جانب بعض المواد الإنسانية مثل التاريخ والجغرافيا والفلسفة. أما العلوم والرياضيات فتبقى بالعربية.

لكن هذا القرار، الذي جاء مع بداية العام الدراسي الأول بعد إعادة دمج المناطق الكردية في شمال شرق سوريا ضمن السلطة المركزية، قوبل باحتجاجات طلابية ومطالب كردية بمنهاج كامل باللغة الأم، ما يحول ملف التعليم إلى بؤرة توتر جديدة تهدد الاستقرار الهش في البلاد.

يأتي هذا التطور بعد مرسوم رئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي اعترف بالكرد كمكون أصيل من الشعب السوري، وألغى آثار إحصاء 1962 الذي جرد عشرات الآلاف من الجنسية، واعتبر اللغة الكردية لغة وطنية، وسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق ذات الغالبية الكردية.

كان ينظر إلى المرسوم كتحول تاريخي بعد عقود من التهميش والإنكار في عهد نظام الأسد، حيث حُظرت اللغة الكردية رسمياً ومنعت المدارس والكتب والاحتفالات الثقافية. لكن التطبيق العملي كشف عن فجوة كبيرة بين النص والواقع.

خلال سنوات الحرب، أقامت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا (المعروفة بروجآفا) نظاماً تعليمياً يعتمد بشكل شبه كامل على اللغة الكردية منذ عام 2012 تقريباً. درس آلاف الطلاب من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية بلغتهم الأم، مما أعاد إحياء هوية كانت مهددة بالاندثار.

اليوم، مع استعادة دمشق سيطرتها عبر اتفاقيات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يُطلب من هؤلاء الطلاب الانتقال إلى نظام يُقلص حضور الكردية إلى ثلاث حصص اختيارية أسبوعياً.

قالت طالبة في القامشلي تدعى سوزان علي (16 عاماً) "درست الكردية منذ بداية تعليمي حتى الصف الحادي عشر، والآن يقولون ثلاث حصص فقط. وهذا غير مقبول". مثل هذه الأصوات تعبر عن جيل نشأ على التعليم بالكردية ويرى في القرار انتزاعاً لحق مكتسب.

تبرر دمشق موقفها بصعوبات عملية: نقص في المدرسين المؤهلين، وصعوبة ترجمة المناهج العلمية الكاملة، والحاجة إلى توحيد النظام التعليمي الوطني. يرى المسؤولون أن الاعتراف بالكردية كلغة وطنية (وليس رسمية) كافٍ في المرحلة الانتقالية، وأن العلوم والرياضيات بالعربية تضمن التوافق مع المعايير الوطنية والدولية. لكن الأكراد يرون في ذلك اعترافاً شكلياً يحافظ على هيمنة العربية ويهدد مستقبل اللغة.

وحذر غريب حسو، الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي، من أن تقليص الساعات قد يدفع الأجيال القادمة إلى الدراسة والكتابة بالعربية فقط، مما يعرض اللغة الكردية للتراجع والاندثار. وأشار إلى أن تركيا تلعب دوراً في عرقلة الاعتراف الرسمي الكامل، خوفاً من تداعيات على ملفها الداخلي.
تاريخياً، لم تكن اللغة الكردية مجرد أداة تواصل، بل رمزاً للهوية والوجود. على مدى عقود، مارست الدولة السورية سياسة تعريب ممنهجة شملت تغيير الأسماء ومنع التسجيل بأسماء كردية وحظر الأنشطة الثقافية.

وأدى إحصاء 1962 إلى تجريد مئات الآلاف من الجنسية، مما خلق فئة "مكتومي القيد". جاء المرسوم 13 ليصحح جزءاً من هذا الإرث، لكنه توقف عند حد "اللغة الوطنية" دون الارتقاء إلى "لغة رسمية" تُدرج في الدستور، وتُستخدم في الإدارات والمؤسسات والإعلام.

وفي مايو 2026، اندلعت احتجاجات بعد إزالة لافتات ثنائية اللغة (عربية-كردية) من دوائر رسمية في الحسكة واستبدالها بعربية وإنجليزية، اعتبرها الناشطون اختباراً مبكراً لجدية دمشق.

يحمل الملف أبعاداً سياسية أعمق. فالتوتر التعليمي ليس منفصلاً عن مفاوضات الاندماج الأوسع بين دمشق وقسد، التي تشمل تقاسم السلطة والنفط والأمن. أي انفجار في المدارس قد يعيد إشعال التوترات العسكرية أو يدفع إلى مطالب بالحكم الذاتي أوسع. كما أن الدستور الدائم المقرر بعد المرحلة الانتقالية عام 2030 سيكون المحك الحقيقي.

ويطالب الحقوقيون والأكاديميون الكرد بتثبيت اللغة الكردية كلغة رسمية إلى جانب العربية في المناطق ذات الكثافة، وتأسيس مجمع لغوي كردي في دمشق على غرار مجمع اللغة العربية، وتطوير مناهج علمية كاملة.

من الناحية الأكاديمية، تواجه اللغة الكردية تحديات داخلية أيضاً: تعدد اللهجات (الكورمانجية السائدة في سوريا)، وغياب مرجع أكاديمي موحد، ونقص القواميس والمعاجم الحديثة، وضعف الإنتاج العلمي بعد عقود من القمع. مع ذلك، نجحت التجربة في روجآفا في بناء جيل قادر على الكتابة والقراءة بلغته الأم، وهو إنجاز لا يمكن تجاهله.

ويرى خبراء أن الاعتراف الجزئي قد يكون خطوة انتقالية مقبولة إذا صاحبه جدول زمني واضح لترجمة المناهج وتدريب المدرسين، وإلا فإنه سيُفسر كعودة مقنعة لسياسة الصهر.

على الصعيد الإقليمي، يتابع العراق وتركيا وإيران الملف باهتمام. ففي العراق، الكردية لغة رسمية في إقليم كردستان، بينما في تركيا لا تزال القيود قائمة رغم بعض الانفتاح. أي تقدم أو تراجع في سوريا سيؤثر على الديناميكيات الكردية الأوسع.

أما دولياً، فإن المجتمع الدولي الذي رحب بالمرسوم 13 كخطوة مصالحة، ينتظر الآن ترجمة الوعود إلى سياسات ملموسة تحمي التعددية الثقافية كأساس لاستقرار سوريا ما بعد الصراع.