اعتادت السعودية أن ترى أعداءها يتساقطون
يدرك وكلاء إيران أنهم لن ينتصروا في أي مواجهة يندفعون إليها، أو يُدفعون إليها، مع السعودية، وأن مجرد اتخاذهم قرار خوض ذلك الصراع يعني توريط أنفسهم في معركة لن تنتهي إلا بنهايتهم، وفق التعريف السائد للنهايات الوخيمة للمغامرات غير المحسوبة العواقب. فهم مرتبكون، والمملكة واثقة من نفسها، وهم طارئون، والمملكة باقية، وهم مشتتون، والمملكة واحدة موحدة، غير قابلة للتجزئة أو الانقسام، وهم معزولون عن العالم، فيما تتربع المملكة في قلبه، وهم يتحركون في الظلام، وهي تعيش حياتها وتباشر دورها الحضاري في الضوء.
فهي، أولا وأخيرا، المملكة العربية السعودية، بموقعها الجيوسياسي المؤثر الذي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وإشرافها على معابر مائية حيوية للتجارة العالمية، وبقوتها الناعمة التي لا تضاهيها قوة أخرى، وبدورها الحيوي في استقرار الاقتصاد العالمي من خلال امتلاكها أكبر الاحتياطيات والطاقات الإنتاجية القادرة على ضمان استقرار أسواق الطاقة، فضلا عن اقتصادها القوي الذي يعد أحد أكبر الاقتصادات المؤثرة سياسيا وعمليا في العالم، والأكبر في المنطقة العربية، لاسيما بعد أن تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للمملكة تريليون دولار أميركي، مدعوما بقوة قطاع الطاقة والأنشطة غير النفطية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالمملكة يُنظر إليها باعتبارها دولة كبرى تمثل رمانة الميزان في الشرق الأوسط، بما تمتلكه من قدرة على صناعة التوازنات والحفاظ عليها، وترسيخ أثرها الاستراتيجي في الجغرافيا السياسية والاقتصادية، وعلى خريطة الأمن والاستقرار إقليميا ودوليا، فضلا عما تمثله من دور ثقافي عابر للحدود، وقدرة على تعزيز الحوار الحضاري بين الدول والشعوب، انطلاقا من المنظومة الأخلاقية والقيمية والإنسانية التي تتبناها وتدافع عنها وتسعى إلى ترسيخها.
فاجأت الضربة السعودية الميليشيات الخارجة عن القانون في العراق، ووجهت رسالة واضحة إلى الحوثيين في اليمن، لكن قراءتها الأعمق كانت في طهران
لقد واجهت المملكة كثيرا من التحديات، وعرفت كيف تخرج منها أكثر قوة وصلابة، وتعرضت لمؤامرات لا تعد ولا تحصى، سواء من الأنظمة العقائدية الراديكالية، كالناصرية والبعثية والجماهيرية والماركسية، أو من قوى الهيمنة الإقليمية والدولية التي كانت تعتقد أن مشاريعها التوسعية لن تنجح ما دامت السعودية قائمة بحجمها وتأثيرها.
ومع ذلك، كانت المملكة تنتصر في مختلف المنازلات بما تمتلكه من صلابة الدولة، وحكمة القيادة، ووحدة المجتمع، وقدرة على استباق لحظات الحسم بروح الحزم، مقرونة بالمرونة في التعامل مع التحولات الجيوسياسية والاستراتيجية، واحتواء المستجدات، وامتلاك القرار المناسب للرد على المعتدين، والصبر على المكاره، وتغليب العقل على العاطفة، والابتعاد عن الانفعالات وردود الفعل المتشنجة.
صحيح أن المملكة لم تزج بنفسها في الحروب القذرة، ولم تتورط في مؤامرات ضد هذه الدولة أو تلك، ولم يعرف عنها التدخل في الشؤون الداخلية للدول والمجتمعات، لكن ذلك لم يكن نتيجة عجز عن المبادرة أو خوف من النتائج، وإنما كان خيارا سياسيا واستراتيجيا أصيلا تبنته الرياض في إطار رؤيتها للعلاقات الدولية والقانون الدولي، وسعيها الدائم إلى تغليب الحلول السياسية على التصعيد الميداني، مهما بلغت حدته. وهو ما منحها صفة القوة الإقليمية المتزنة، والدور المتوازن في تحكيم العقل، وتبني الحياد الإيجابي، وتقديم المبادرات الهادفة إلى معالجة القضايا الشائكة والملفات الخلافية.
غير أن نزوع المملكة إلى الدبلوماسية والحوار السياسي لا يعني التهاون في حقوقها أو التفريط في واجباتها تجاه أمنها واستقرارها، ولا تجاه حماية أمنها القومي، والدفاع عن سيادتها وكرامة شعبها، وصون القانون الدولي. وينطبق ذلك على توجيه قواتها الجوية ضربات نوعية ضد ميليشيات عراقية استهدفت منشآت نفطية في المملكة، وهي عملية عسكرية نُفذت استنادا إلى مبدأ الدفاع عن النفس، ووفقا للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة. ولم تسع المملكة من خلالها إلى توسيع دائرة الصراع أو إشعال مواجهة إقليمية، بل أكدت أنها لن تتردد في حماية أمنها القومي ومقدراتها، وفق ما جاء في بيان وزارة الدفاع.
نزوع المملكة إلى الدبلوماسية والحوار السياسي لا يعني التهاون في حقوقها أو التفريط في واجباتها تجاه أمنها واستقرارها، ولا تجاه حماية أمنها القومي
وتقول المملكة، من خلال ذلك، إن السيف الذي يتوسط رايتها الخضراء ليس مجرد رمز، بل تعبير عن قدرتها على ردع المعتدين عندما يتجاوزون كل الحدود. كما تؤكد أن حكمة الحوار التي تؤمن بها قيادتها لا يمكن أن تستقيم إلا إذا استندت إلى قوة تحميها، وأن الدبلوماسية الفاعلة تحتاج دائما إلى قدرة رادعة، حتى تبقى خيارا نابعًا من الثقة، لا من الضعف، ومن الإرادة، لا من العجز.
لقد فاجأت الضربة السعودية الميليشيات الخارجة عن القانون في العراق، ووجهت رسالة واضحة إلى الحوثيين في اليمن، لكن قراءتها الأعمق كانت في طهران، حيث أدرك صانع القرار الإيراني أن المملكة لم تعد ترى في الصمت أو ضبط النفس خيارا مفتوحا بلا حدود، وإنما انتقلت إلى مستوى جديد من الردع العملي، مستندة إلى قدرات عسكرية متطورة، وإلى إرادة سياسية لا تقل صلابة عن إمكاناتها العسكرية.
ولعل العملية الجوية التي نُفذت بالاشتراك مع الولايات المتحدة ضد مقار للحشد الشعبي في العراق توحي بجملة من المؤشرات، في مقدمتها أن على المتشددين في النظام الإيراني أن يدركوا أن المنطقة قد تكون مقبلة على تحولات غير مسبوقة في مواقفها الإقليمية، وأن الدول العربية، وفي طليعتها السعودية، لن تستمر إلى ما لا نهاية في امتصاص الضربات، أو البحث عن مبررات للهجمات التي تستهدفها، إذا ثبت أن الحلول السياسية لم تعد مجدية، وأن العدوان أصبح سياسة مستمرة.
إن أكثر ما يدركه الإيرانيون هو أن اللعب مع السعوديين له حدود لا يمكن تجاوزها، وأن المواجهات السابقة، مهما طال أمدها، انتهت في النهاية إلى ترسيخ موقع المملكة وتعزيز مكانتها. فالصبر الاستراتيجي الذي يفاخر به النظام الإيراني قد يتحول إلى نقطة ضعف إذا أخطأ في تقدير الصبر الاستراتيجي السعودي، الذي ظل على الدوام أحد أهم ثوابت السياسة السعودية. ولولا ذلك الصبر المقترن بالحزم، لما بقيت المملكة ثابتة في موقعها، وهي ترى خصومها والمتآمرين عليها يتساقطون الواحد تلو الآخر.